
يجيب عليها مازن مطبقانى |
جولة في عالم الاستشراق |
|
س:هل هناك تعريف جديد للاستشراق بصفتكم أحد المتخصصين في هذا المجال؟ ج: ليست القضية قضية تعريف جديد للاستشراق فالغرب تخلى عن هذا المصطلح منذ عام 1973 في مؤتمر المستشرقين الدولي الذي عقد في باريس ، وتوزعت دراسات المستشرقين بين مختـلف التخصصات.لقد ذهب الاسم وبقي المسمى .فبدلا من أن تتم دراسة الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخا واجتماعا وسياسة واقتصادا ضمن كلية واحدة أو قسم علمي واحد ، أصبح من الممكن للمتخصصين في كلياتهم المختلفة أن يدرسوا العالم الإسلامي . وبالرغم من رفض الغرب لهذا المصطلح فإن كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" أعادهم رغما عنهم لاستخدامه ، وقد قدم سعيد عدة تعريفات للاستشراق في هذا الكتاب أوضح فيها طبيعة هذه الدراسات من استعلاء ورغبة في السيطـرة والاستغلال وكذلك التشويه والفهم الخاطىء . ولكن الدكتور أحمد عبد الحميد غراب في كتابه" رؤية إسلامية للاستشراق أضاف إلى تعريفات إدوارد سعيد بأن ربط التعريف بأحقاد الغرب الصليبي ضد الإسلام والمسلمين . وقد كتب الدكتور علي بن إبراهيم النملة حول تعريف الاستشراق فحاول أن يجعل الاستشراق يضم الباحثين الشرقيين من يابانيين وسواهم ممن تلتقي نظرتهم مع الاستشراق الغربي ، وتساءل الدكتور النملة أيضا عن إمكانية إضافة نصارى العرب من مارونيين وأقباط وغيرهم للمستشرقين . ومع كل هذا فتعريف الاستشراق لا ينبغي أن يتضمن حكما مسبقا على هذه الدراسات وأهدافها أو إطلاق حكم عام عليها بإلغائها أو نفيها بحيث ننفر المسلمين من معرفتها والتفاعل معها. إنّ الغرب حريص كل الحرص على معرفتنا وهذا في حد ذاته إيجابية يجب أن نفيد منها لأنه حين يناقش قضايانا يكون أكثر حيادية منه ، كما إنهم قد يناقشون أمورا نتجاهلها أو لا نجرؤ على الـحديث عنها. ولكن لا بد أن أضيف أنه آن الأوان لنبدأ نحن بجد بدراسة الغرب كما يدرسنا لنصل إلى معرفة عميقة بتاريخه وحضارته. وان كان لابد من تعريف للاستشراق فأقول بأن الاستشراق هو كل ما صدر و يصدر عن الغربيـين من أوروبيين أو أمريكيين من دراسات أكاديمية تتناول قضايا المسلمين في العقيدة أو الشـريعة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة أو الفكر أو الفن وغير ذلك ، كما يلحق بالاستشراق ما تبثه وسائل الإعلام الغربية سواء كان بلغاتهم أو باللغة العربية من إذاعات أو تلفاز أو أفلام سينمائية أو رسوم متحركة أو قنوات فضائية أو ما تنشره صحفهم أو مجلاتهم من كتابات تتناول المسلمين، لأن وسائل الإعلام الغربية يشترك فيها المتخصصون في الدراسات العربية والإسلامية بأقـلامهم أو عن طريق كتاباتهم التي تعد المصدر الذي يستقي منه الإعلاميون معلوماتهم. كما إن من الاستشراق ما يخفى علينا مما يقرره الباحثون الغربيون والسياسيون في ندواتهم التي يعقدونها ويبقون بحوثها ونتائجها وتوصياتها سراً قاصراً عليهم.ويمكن أن نلحق بالاستشراق أيضا نصارى العرب من مارونيين وأقباط وغيرهم ممن ينظر إلى الإسلام النظرة الغربية ويتعاطف مع الغرب كما حـدث في بداية ظهور الموجة القومية. ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء الباحثين من شرق آسيا وجنوب شرقها ممن تلقى المعرفة بالإسلام عن طريق الجامعات الغربية. أما تلاميذ المستشرقين المخلصين للنظرة الاستشراقية فتجب دراستهم عن أنهم أتباع للاستشراق. ويلاحظ اهتمام المستشرقين وأقسام الدراسات العربية الإسلامية ومراكز البحوث وأقسام الشرق الأوسط بإنتاج تلاميذهم فتقوم كبرى دور النشر الجامعية والتجارية بنشر إنتاجهم ومن الأمثلة على ذلك كتب عزيز العظمة ، وصادق العظم ، وفاطمة المرنيسي ، نوال السعداوي ومحمد عبد الحي شعبان.. والقائمة طويلة. س: صُنِّف الاستراق الإنجليزي والإيطالي والفرنسي تحت طائلة الاستعمار ..فأين يقع الاستشراق الوسي والألماني؟ ج: من الانتقادات التي وُجّهت لإدوارد سعيد تركيزه على تقديم نماذج من الاستشراق الفرنسـي والإنجليزي ، وزعم الناقدون أن الاستشراق الذي لا يرتبط تاريخ بلاده بالاستعمار يختلف عن غيره فأين الحقيقة في مثل هذا النقد؟ إن روسيا كانت ذات طبيعة استعمارية ألم تكن تزعم أنها تريد نشر الشيوعية ، وأن نظامها هـو النظام الذي يجب أن يسود العالم؟ ألم تكن قد اجتاحت بلاداً إسلامية في أواسط آسيا وارتكبت مئات المجازر لتحقيق سيطرتها؟وكان مستشرقوها في تلك الإثناء منشغلين بتبرير سيطرتهم على هذه الشعوب الإسلامية ومحاربة الإسلام عقيدة وتاريخاً ونظاماً. والمدرسة الشيوعية المادية معروفة في مجال الاستشراق بل إن تأثيرها لم يقتصر على تلاميذ الشيوعية من أبناء العالم الإسلامي التي لم تر التاريخ سوى صراعاً مادياً من أجل المصالح وشوهوا صورة العقيدة الإسلامية بل الأديان جميعـاً. وما كانت روسيا القيصرية تختلف عن روسيا الشيوعية حيث كان للقياصرة أطماع في البلاد الإسلامية. أما الاستشراق الألماني فهو ابن البيئة الأوروبية ذات الطبيعة الاستعمارية وإن لم يتحقق لألمانيا تكوين مستعمرات في البلاد العربية الإسلامية فقد كان لها أطماع في أفريقيا وكانت تنافس عـلى بلادنا العربية . والاستشراق الألماني ينطلق من المذهب البروتستانتي الحاقد على الإسلام بسبب حقد مؤسسه مارتن لوثر على الدولة العثمانية. وإن كانت قد ظهرت بعض الاتجاهات المعتدلة في الاستشراق الألماني في العصر الحديث لكنه يبقى في أصله ونشأته مثل بقية الاستشراق الأوروبي. والمستشرقون الألمان كانوا من كبار المتسشرقين الأوروبيين الذين تتلمذ على أيديهم غيرهم مـن المستشرقين ومن هؤلاء بروكلمان وفلهاوزن ونولدكه وبيكر وغيرهم. وقد مارس هذان تشويه التاريخ الإسلامي مما انتقل إلى مدراس الاستشراق الأخرى.
س: هناك من الدارسين نفوا موضوعية الاستشراق وإنصافه وجعلوا كل ذلك مجرد مؤامرة أو سم في عسل كما يقولون ..ما تعليقكم بصفتكم أحد الدارسين للاستشراق؟ ج: ليس من العدل أو المنطق أن نقع في الخطأ الذي نأخذه على بعض المستشرقين فنصدر التعميمات الجزافية ضد المستشرقين. إن المسلم يتأدب بالأدب القرآني حيث امتدحت آيات القرآن الكريم بعض أهل الكتاب { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلاّ ما دمت عليه قائماً) والموضوعية أمر نسبي فكيف نتوقع الإنصاف والموضوعية من المستشرقين عموماً ونحن نعلم أنهم يواجهون عقيدة وتاريخاً ولغة وتراثاً هم غرباء عنه تماماً فما يمكن أن يقعوا فيه من أخطاء بسبب عدم الفهم والإدراك يختلف عن العداء والتشويه المتعمد. ومع ذلك فهناك حد أدنى من الموضوعية يتطلبها البحث العلمي إذا كنت تدرس حضارة أمة أخرى أن تحترم مسلمّات ومقدسات تلك الحضارة. فالذين درسوا الحديث من المستشرقين كان عليهم أن يعرفوا خصوصيات المسلمين في صدر الإسلام من قدرة عظيمة على الحفظ ن وكذلك نظرتهم إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جزء من الوحي، كما كان عليهم أن يدركوا الجهود العظيمة التي بذلها العلماء المسلمون في حفظ الحديث وتدوينه وتوصلهم إلى وضع علم مصطلح الحديث والجرح والتعديل وهو علم لم يظهر في أمة أخرى وهو من أعظم إنجازات المسلمين في مجال البحث العلمي. وكان على المستشرقين الذين يدرسون التاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية أن يحترموا مسلّمات هذه الأمة من إيمانها بالغيب وأن يحترموا تفسير المسلمين لتاريخهم فإسقاط السمّمات المادية يشوه كثيراً من حقائق التاريخ الإسلامي كبطولات الجيوش الإسلامية في الفتوحات اليت لا يمكن ان يكون لها جانب مادي. كذلك لكل أمة مصادر اتفقت كلمتها على أنها المصادر الصحيحة التي تستقى منها المغرفة بها فلا يمكن أن نجعل كتاب " الأغاني" مثلاً مصدراً لدراسة التاريخ الإسلامي .
س: أين تقع الأسماء الآتية لمستشرقين داخل خريطة الاستشراق: بروكلمان ، رينان ، جوستاف لوبون ، جولدزيهر؟ ج:جميل أنك سألت عن هؤلاء المستشرقين لأنهم وان كانوا قد هلكوا لكن آثارهم باقية إلى اليوم وغـدٍ لأن المستشرقين المعاصرين أو المتخصصين في العلوم العربية و الإسلامية ينطلقون من دراسات هؤلاء احتراما لجهودهم وريادتهم في هذا المجال. وإن كان من الصعب الحديث بإيجاز عن مثل هؤلاء العلماء الذين تركوا أثرا واضحا في الدراسات الاستشراقية فلا بد إذن من الإيجاز . أولا : بروكلمان هو صاحب كتاب (تاريخ الأدب العربي) في ستة مجلدات ، وهو كتاب بذل فيه مجهود كبير لحصر ما كتب في مجالات المعرفة المختلفة في اللغة العربية . وقد قدم المؤلف بمقدمة مـوجزة لكل عصر من العصور أو مجال من المجالات ، وهذه لا تخلو من أخطاء المستشرقين وسلبياتهم غير أنني أترك الحكم عليها لمن درس هذا الكتاب أو تخصص في هذا المجال. ولكن لبروكلمان كتاب ثان هو ( تاريخ الشعوب الإسلامية) ، وقد كان هذا الكتاب موضع دراسة الدكتور عبد الكريم علي باز التي قدمها لجامعة أم القرى بمكة المكرمة حيث أوضح ما فيه من سلبيات وتجـن على التاريخ الإسلامي . وقد نشرت تهامة هذا الكتاب ضمن سلسلة رسائل جامعية.وللكتاب ميزة نفتقدها في الكتابات العربية الإسلامية وهو أنه جمع التاريخ الإسلامي بين دفتي كتاب واحد ، وقد قدم الدكتور عمر فروخ بعض التعليقات على الكتاب في حواشيه ، ولكنها ليست كافية ، وربما كان ذلك بسبب المساحة المتاحة له. ثانيا : أرنست رينان هو عالم فرنسي من الدعاة المتحمسين لنظرية تفوق الأجناس الأوروبية وأن الأجناس الأحرى غير قادرة على استيعاب العلم والمعرفة . وقد انبرى للرد عليه الشيخ محمد عبده وغـيره من العلماء المسلمين المعاصرين له. ومع ذلك فأذكر أنني قرأت رأيا جميلا لرينان نقله الأستاذ محمد كرد علي حول اللغة العربية يبدي فيه رينان إعجابه باللغة العربية وجمالها وحيويتها ، وكان هذا في كتاب كرد علي( الإسلام والحضارة العربية) تالثا: جوستاف لوبون عالم فرنسي له كتاب واسع الشهرة هو كتابه ( حضارة العرب) تحدث فيه عن ظهور الإسلام وحالة العرب حينذاك ثم تحدث عن الفتوحات الإسلامية التي يطلق عليها الفتوحات العربية . وقد امتدح لوبون في كتابه هذا الفتوحات الإسلامية وقال إن العالم لم يشهد فاتحا أرحم من العرب . وللأسف أخذ بعض كتابنا هذه المقولة فجعلوا كتاب لوبون مبرأ من كل عيب ، بل أصبح لوبون من المستشرقين المنصفين في نظرهم ، مع أن من أول أخطاء لوبون زعمه أن الدين الإسلامي جاء للعرب وحدهم وان محمدا(صلى الله عليه وسلم) ك::سان نبي القومية العربية بالإضافة إلى بعض الصفات السيئة التي ألصقها بالوحي .وأما الملاحظة الثانية على فكر لوبون أنه ظهر في زمن انتشار نظرية تفوق الأجناس الأوروبية فكان يعتقدها كغيره. ثالثا: جولدزيهر هو اجناز جولدزيهر المستشرق اليهودي المجري ، تعمق في دراسة العلوم الإسلامية المختلفة وتتلمذ على بعض مشايخ الأزهر في مصر ، وبلغت سمعته شأوا بعيدا حتى ضمته بعض المجامع اللغوية العربية إلى عضويتها.وهو شيخ المستشرقين كما سمّاه الدكتور مصطفى السباعي( رحمه الله)وقد فند كثيرا من مزاعمه حول السنة النبوية المطهرة في كتابه القيم ( السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) . وبالإضافة إلى دراسة الدكتور السباعي فقد أعدت عدة بحوث تكميلية قيمة في قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة( جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) حول جولدزيهر ، وأسأل الله عز وجل أي يقيض من ينشر هذه الدراسات القيمة. س: يذكر بعض الدارسين أمثال أنور الجندي أن الأدب العربي تعرض إلى تشويه من المستشرقين ، إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا التصور صحيحا ؟ إن الأدب العربي ليس وحده الذي تعرض إلى تشويه متعمد من المستشرقين والأستاذ أنور الجندي محق تماما في هذا الشأن ومن أبرز من يشاركه في هذا الرأي الأستاذ الجليل محمود شاكر في مقدمة كتابه ( المتنبي) التي نشرت منفصلة بعنوان( رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) حيث أكد على إفساد المستشرقين وتلاميذهم لما أسماه ب "الذائقة الأدبية " . وقد يكون في آراء الأستاذ محمود شاكر - رحمه الله تعإلى- شيء من القسوة ، لكن الرجل عانى معاناة شديدة من هذا الإفساد مع أدباء عصره حتى إن كتابه (أباطيـل و أسمار) في جزأيه يضج بالشكوى من المستشرقين وتلاميذهم من أمثال لويس عوض الذي يحلو لبعض كتابنا أن يطلقوا عليه(الأستاذ الكبير) أما تفاصيل إفساد الذائقة الأدبية والعبث بمناهج البحث الأدبي فيرجع إليها في كتاب الأستاذ محمود شاكر "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" لأنني غير متخصص في الدراسات الأدبية . ولكن يجب ملاحظة أن الساحة الأدبية رفعت قدر أناس حاربوا الإسلام ودعوا إلى الارتماء في أحضان الغرب ونال هؤلاء الألقاب التمجيدية من أمثال( عميد الأدب العربي) و(أستاذ الجيل) وقررت كتابات هؤلاء في المدارس ، واعتمدت السينما والمسرح على هذه الكتابات فكم قدمت روايات إحسان عبد القدوس وروايات جورجي زيدان وغيرهما . ويلاحظ أن الدكتور مجمد العزب قد كتب في مجلة " القافلة " في أحد أعدادها الصادرة عام 1407 ينتقد المستشرق الفرنسي ريجس بلاشير في كتابه " تاريخ الأدب العربي" الذي يزعم فيه أن الإبداع والتميز في تاريخ الأدب العربي إنما هي ومضات سريعة ونادرة فرد عليه باستعراض نماذج من التميز والإبداع في الأدب العربي . وليست تلك التهمة الوحيدة ، فأثر المستشرقين في الأدب العربي تعـود إلى نشاط حركة الترجمة التي قادها طه حسين في مجلة الكاتب وغيرها حيث ترجمت الكثير من القصص والروايات الفرنسية التي تدعو إلى نمط الحياة الغربية. كما أن انتشار كتابات أمثال يوسف السبـاعي ، وإحسان عبد القدوس ،ومحمد عبد الحليم عبد الله ،ونجيب محفوظ ،وتوفيق الحكيم التي دعـت في معظمها إلى الفكر الغربي والمادية وركزت على القصص الغرامية حتى أصبح لدينا كم هائل من هذا النوع من الكتابات على حساب الكتابات الإسلامية الجادة .وقد كتب الدكتور أبو بكر حميد عدة مقالات في الشرق الأوسط وألقى محاضرة في أحد الأندية الأدبية حول الحرب الشعواء التي واجهها الأديب المتميز الإسلامي علي أحمد باكثير رحمه الله تدل دلالة واضحة على مـدى نفوذ الفكر الاستشراقي . ويجب أن نتذكر أن جامعة القاهرة في بداية تأسيسها استضافت من المستشرقين الذين درسوا الأدب العربي . وقد رضينا أن يذهب أبناؤنا إلى الغرب للتخصص في الأدب العربي على أيدي المستشرقين.
س :لماذا نال التصوف الإسلامي دراسات واسعة من قبل المستشرقين؟ وهل يمثل خلاصة الفكر الإسلامي؟ يمكن إرجاع اهتمام المستشرقين بالتصوف إلى عدة أسباب منها أنهم يجدون في التصوف بغيتهم للطعن في الإسلام وبخاصة التصوف الذي انحرف عن الكتاب والسنّة. والتصوف الذي يتمسك بالكتاب والسنّة وسيرة الخلفاء الراشدين إنما هو الزهد الإسلامي والتقلل من الدنيا وزينتها وزخرفها. ولكن المستشرقين يتركون هذا التصوف إلى البحث عن النماذج المنحرفة التي تتيح لهم أن يعرضوا هذه الصور المنحرفة. وثمة سبب آخر وهو أن حياة الغربيين التي طغت عليها المادة تجعلهم يبحثون عن هذه النماذج ، ولذلك تجد أن بعض الذين يسلمون يتمسكون باتباع التصوف. ويلاحظ أن أشهر المستشرقين في فرنسا في العصر الحاضر لويس ماسنيون قضى حياته كلها في دراسة الحلاج حتى أصدر كتاباً من ثلاثة مجلدات حول الحلاج الذي أطلق عليه " شهيد الإسلام" وكذلك المستشرق البريطاني آربري كان مهتماً بالتصوف. وتأتي خطورة هذا الاتجاه في أنهم يوجهون تلاميذهم من العرب والمسلمين ومن غيرهم إلى الاهتمام بالتصوف والحكم على الإسلام من خلال هذه النماذج. وظهرت هذه الخصيصة في الاستشراق في دائرة المعارف الإسلامية حيث لم تكتب عن الإمام أحمد -مثلاً-ربع ما كتبته عن بشر الحافي. وكذلك اهتمت بمشاهير الصوفية أكثر من اهتمامها بأعلام الأمة .
س9: لم تظهر لدينا إلى الآن موسوعة بمستوى دائرة المعارف الإسلامية لماذا؟ ج: هذا سؤال مهم فلا تكاد تجد ملّة من الملل أو نحلة إلاّ وقد أصدر أبناؤها موسوعة أو أكثر تشرح معالم تلك النحلة أو الملة أو معارفها وتتناول تاريخها وعقيدتها وأعلامها فهناك موسوعات شتى أذكر منها الموسوعة البريطانية والموسوعة الأمريكية والموسوعة الفرنسية والموسوعة اليهودية والكاثوليكية والبروتستانتية وغيرهم. نعم لماذا لا يكون للمسلمين موسوعة أو أكثر تكتب بأقلام إسلامية ويضع مخططاتها وتقسيمها أبناء المسلمين . لقد عرف المسلمون الأعمال الموسوعية وهي وإن كانت فردية لكننا لسنا عالة على هذا المجال من التأليف وإن كان موسوعات متخصصة كالتي في علم الرجال أو الطبقات أو معجم البلدان …الخ. ولقد نهض وقف الديانة التركي قبل عدة أعوام لهذه المهمة العظيمة واستكتب عدداً كبيراً من أبناء الأمة الإسلامية وإن كانت الاستجابة محدودة لكنهم أصدروا عدة مجلدات باللغة التركية ومـن المخطط أن تصدر باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية. وهذه الموسوعة ذات تخطيط إسلامي محكم أعطت القضايا المهمة في تاريخ الأمة وحضارتها مكاناً بارزاً. لماذا لا تصدر موسوعة إسلامية فلأن الأمر يحتاج إلى دعم مادي ومعنوي كبيرين ويحتاج إلى مؤسسات إسلامية عالمية تقوم بهذه المهمة وإنها فرصة أن تبادر رابطة العالم الإسلامي أو منظمة المؤتمر الإسلامي في التفكير الجاد في هذه القضية . لقد تعثرت ترجمة دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية والحمد لله فهي دائرة خطيرة. ونحن بحاجة إلى أن يكون لنا دائرة معارف باللغات الإسلامية وباللغات الأوروبية لتكون مرجعاً للباحثين في الإسلام وشؤونه
س10: لماذا تراجعت الدراسات الاستشراقية بعد منتصف هذا القرن؟ لم تتراجع الدراسات الاستشراقية بعد منتصف القرن العشرين والدليل على ذلك وجود عدد كبير من المستشرقين استمروا في نشر إنتاجهم في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ، فمن الأسماء الكبيرة نجد مونتجمري وات وهاملتون جب وبرنارد لويس وجوستاف فون جرونباوم وغـيرهم ظلوا يعملون في مجال التعليم الجامعي والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه والإنتاج العلمي الغزير وتقديم الاستشارات للحكومات الغربية وبخاصة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ، كما ظهرت نشاطاتهم في عشرات الندوات والمؤتمرات التي تعقد في أنحاء العالم. وثمة دليل آخر على استمرار الاستشراق إن الحكومة البريطانية كونت لجنة حكومية عام 1947 برئاسة سكاربورو لدراسة أوضاع الدراسات الأوروبية الشرقية والسلافية والشرقية والأفريقية ، وقد جاءت توصياتها في حوالي مئتي صفحة دعت فيها الى دعم هذه الدراسات وتخصيص مبالغ مالية مجزية للجامعات والكليات التي تقدم هذه الدراسات . وفي عام 1961 م. ألّفت بريطانيا لجنة أخرى برئاسة سير وليام هايتر للقيام بدراسة مماثلة ، وحصلت اللجنة على دعم من مؤسسة روكفللر الأمريكية لزيارة عشر جامعات أمريكية وجامعتين كنديتين للإفادة من الخبرة الأمريكية والكندية في هذا المجال.وطالبت اللجنة باستمرار دعم الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات البريطانية وأوضحت أن الاستقلال الذي حصلت عليه هذه الدول لا يمنع من استمرار وجود المصالح البريطانية في البلاد العربية الإسلامية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد وجدت نفسها بعد الحرب العالمية الثانية في مركز الزعامة العالمية ولا بد لها من وجود خبراء في شؤون العالم الإسلامي السياسية والاقتصادية والاجتمـاعية والثقافية ، فأصدرت الحكومة الأمريكية قرارا بدعم الجامعات الأمريكية التي تقدم هـذه الدراسات ،ورأت في الوقت نفسه أن تستفيد من خبرة المستشرقين الأوروبيين فقدمت لهم أولا فرصة العمل أساتذة زائرين لفترات محددة ، ثم عرضت على البعض الاستقرار في الولايات المتحدة . ومن الأساتذة الذين انتقلوا مبكرا هاملتون جب الذي أسس مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة هارفارد في الستينيات من هذا القرن، والأستاذ فون جرونباوم في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس وفليبب حتي في جامعة برنستون ثم برنارد لويس في جامعة برنستون أيضا من عام 1974. وقد تأسست في الولايات المتحدة العديد من المؤسسات والمراكز العلمية للدراسات والبحوث في قضايا العالم الإسلامي ومن أشهرها رابطة دراسات الشرق الأوسط . وقد أصدرت الملحقية الثقافية بسفارة المملكة دليلا لمراكز البحوث والجامعات الأمريكية التي تقدم برامج للدراسات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية . وليت الملحقيات الثقافية في أوروبا يحـذون حذوها في هذا الجهد المبارك. وهكذا فالدراسات العربية الإسلامية أو الاستشراق لم يتراجع بعد منتصف القرن ولكنه أخذ مسارا أكثر تخطيطا وعمقا . ولا بد أن نلاحظ أن الاستشراق قـد أفاد كثيرا من الطلاب المبتعثين من أنحاء العالم الإسلامي حيث يقوم هؤلاء الطلاب بدراسة كثيرا من القضايا التي تخص بلادهم فهم أقدر على فهم تلك المشكلات وكذلك الحصول على المعلومات عن بلادهم . وقد يوجه المشرفون الأكاديميون الطلاب لدراسة مشكلات بعينها كما أشار إلى ذلك الدكتور عبد الحميد غراب في كتابه ( رؤية إسلامية للاستشراق)
|

المزيد من مجموعات لاسئلة