|
الإسلام والغرب قضايا إسلامية معاصرة بعث إلي مندوب صحيفة الأنباء الكويتية مجموعة من الأسئلة للإجابة عنها لنشرها في الملحق الديني للصحيفة . وفيما يأتي الموضوعات التي سأل عنها وإجاباتي : أولاً: الإسلام والغرب ووسائل الإعلام. موضوع الإسلام والغرب من موضوعات الساعة ،وأصبح يطرق بكثرة في وسائل الإعلام ،فلمَ هذا الاهتمام والزخم الإعلامي الكبير حول هذا الموضوع؟ لقد دأبت وسائل الإعلام الغربية على الاهتمام بالإسلام والمسلمين منذ ظهور الحركات الإسلامية بقيادة العلماء المسلمين داعية إلى التحرر من النفوذ الغربي ، وكان تناولها لهذه الحركات يتسم بالهجوم على هذه الحركات ووصمها بالتعصب والدعوة إلى كره الأجنبي . وتناولت قضايا محدودة في الإسلام كمسألة علاقة الإسلام بالحضارة الغربية، وموضوع المرأة، ووضع الأقليات غير المسـلمة في البلاد الإسلامية. لقد اهتمت وسائل الإعلام الفرنسية مثلا بحركة الشيخ عبد الحميد بن بـاديس رحمه الله ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) كما اهتمت الصحافة الإنجليزية والأمريكية بحركات التحرر في البلاد التي كانت خاضعة للنفوذ الإنجليزي. وما زلت أذكر مقالة الشيخ عبد الحميد بن باديس (حيث أصدرت‘ ترجمة للشيخ في سلسلة أعلام المسلمين بعنوان:"وخز الدبابيس " ينتقد فيها جريدة الطان الفرنسية Le Temps التي سماها " عجوز الصحف الفرنسية" لتناولها الإسلام بأسلوب يتسم بالعداء والتهجم. ولم يتوقف اهتمام الإعلام الغربي بالإسلام وقضايا المسلمين ، فالإعلام الغربي بالرغم من أنه ليس إعلاما حكوميا لكنه يميل إلى تأييد مواقف الحكومات الغربية التي تحرص على مصالحها الرأسمالـية ، والإعلام تملكه ( الرأسمالية الغربية) وكان الإعلام الغربي يحارب على جبهتين : الشيوعيـة والإسلام ، وكان يقرن بينهما دائما. حتى إذا سقطت الشيوعية وجد الإعلام الغربي فراغاً كبيراً مما جعله يتجه إلى ملئه بالعداء المضاعف للإسلام. وقد نبهت إلى ذلك نشرة تصدر عن معهد هارتفورد اللاهوتيHartford بمقالة بقلم رئيس مكتب الاهتمامات النصرانية الإسلامية القس مارستون سبايت Rev.Marston Spight حيث ذكر القس أن انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والشيوعي يثير تساؤلا : هل يصبح الإسلام الشبح الجديد ؟ وقد جاء في المقال :"لم تعد قوة العالم الشيوعي تشكل تهديداً كما كانت في الماضي وذلك نتيجة للأحداث الصاخبة والمدهشة في أوروبا الشرقية ، وهكذا وجد الأمريكيون الذين كانوا يسهبون في الحديث عن الخطر المفترض من الشيوعية، وجد هؤلاء أنفسهم فجأة محرومين من موضوعهم المحبب ... وقال القس :" والسؤال الـذي يطرح نفسه هل تختار العناصر (الإعلام) التي تتولى تحذير الشعب الأمريكي من الخطر مجموعة أخرى من البشر لوضعها أمام الجمهور على أنها تهديد لأمريكا والعالم؟ إن الصورة السيئة التي يصوَّر بها الإسلام في وسائل الإعلام الأمريكية تثير انتباه بعضنا إلى جعل الإسلام الشبح الجديد. " وقد أكد القس كلامه بأمثلة من الصحافة الأمريكية تتمثل في تلخيص لمقال لكاتب أمريكي هو شارلز كروتهامر Charles Kruthammer . لا شك أن اهتمام القسيس يثير التساؤل ، فهل كانت صورة الإسلام في الإعلام الغربي جيدة قبل نهاية الحرب الباردة ؟ وكأنّ القسيس يريد أن يبرئ الإعلام الغربي و المنصرين من إثارة العداء ضد الإسلام قبل سقوط الشيوعية. وقد نبهت إلى هذا العداء ضد الإسلام وقبل سقوط الشيوعـية حينما تحدث نائب الرئيس الأمريكي دان كويل في خطابه الذي ألقاه في حفلة تخريج دفعـة من البحرية الأمريكيـة يوم 30 مايو 1990 فربط فيه بين الإسلام والشيوعية على أنهما أكبر الأخطار التي تواجـه العالم في القرن العشرين ، وقد صور نائب الرئيس الحركات الإسلامية بأنها حركات" أصولية متشددة." إن اهتمام وسائل الإعلام بالعلاقة بين الإسلام والغرب له أسباب كثيرة منها أن معظم البلاد العربية الإسلامية تعتمد حكوماتها على الدعم الغربي في صور عديدة أهمها الديون الخارجية التي بلغت مئـات البلايين من الدولارات ،والدعم المعنوي للأنظمة الحاكمة، وأن الغرب هو الذي يرعى مسألـة الصلح مع اليهود وهذه نقطة خلاف رئيسة بين الحكومات العربية الإسلامية التي تنفذ مشيئة الغرب وبين الحركات الإسلامية. ولاشك أن في الغرب بعض الأصوات المعتدلة التي تحاول أن تنظر إلى العلاقة بين الإسلام والغرب نظرة موضوعية ، ومن هؤلاء أساتذة جامعيون ومفكرون وسياسيون ، ويجب أن نتساءل ما حجم هذا التيار المعتدل ، وما حجم نفوذه؟ إن الوقت الذي تحدث فيه الأمير شارلز ولي عهد بريطانيـا حديثا نال الاستحسان والإعجاب في العالم الإسلامي نتساءل هل له تأثير حقيقي في بـلاده؟ الأمير يمتدح الإسلام ورئيس الوزراء يلتقي سلمان رشدي ، والحكومة البريطانية تنفق آلاف الجنيهـات على حماية هذا المارق ، وتبخل بالقليل على المدارس الإسلامية حتى لو كان المتقدم بطلب المساعدة بريطانيا أباً عن جد وهو يوسف إسلام الذي استاء من موقف حكومته فتقدم يشكوها إلى لجنة حقوق الإنسان الأوروبية. ثانياً :الإسلاميون والسياسة قبل أن تقع الثورة الإيرانية بعدة أشهر جمعني مجلس مع أحد الصحافيين المشهورين ، فأخذ يتحدث عن حكم الشاه في إيران ، وكيف أن إيران ستنتقل قريبا جداً من دول العالم الثالث إلى دول العالم الأول ، و أفاض في مدح الشاه وما فعله لبلاده ، وما حققه من معجزات التنمية. ومضت الأيام وسقط الشاه وجاء نوع آخر من الحكم قيل إنه حكم (رجال الدين) أو (الملالي) فعاد هذا الصحافي نفسه إلى الحديث عن أن الفقهاء لا يصلحون للحكم والسياسة ، وهذه أفعالهم تدل على عنفهم وقسوتهم ووحشيتهم ، وأضاف بأنهم مغفلون في مجال السياسة التي تتطلب قدراً من الحنكة والخبرة والدهاء. تعجبت من هذه النقلة في فكر شخص لديه من الإمكانات للاطلاع على كثير من الأسرار التي تغيب على معظم الناس . فهل كان يظن أني نسيت حديثه الأول . أين كان فهمه إدراكه حينما تحدث عن عظمة الشاه من المظالم الاجتماعية التي كانت تسود البلاد ، أين كان عن فساد أجهزة المخابرات التي كانت تأخذ الناس بالظنة وبالوشاية وتأخذ الطائع بالعاصي؟ هل كان جاهلاً بكل ذلك أو كان يريد مني أن أقبل ما يقول وأسلّم له ؟ إن موضوع الإسلاميين والسياسة موضوع لا يحتاج إلى كل هذه الضجة لولا أن كثيرا من المفاهيم قد تشوهت وكثيرا من الحقائق قد غابت أو غيّبت . هذا الموضوع يحتاج منّا إلى إحساس بالتاريخ قبل المعرفة الحقيقة الموثقة. إننا إذا تساءلنا عن التدين والسياسة نقع في تجاهل أساس مهم من أسـس العقيدة الإسلامية . لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم فكان رسولا نبياً ، وقائداً عسكريا وقاضيا وحاكما إدارياً وزعيماً سياسياً . ويكفي أن يطلع الإنسان على أي كتاب في السيرة ليدرك هذا. ولكني احب أن أذكر كتاب العلامة عبد الحي كتاني المعنون ( التراتيب الإدارية ) أو الحكومة النبوية ففيه تفصيل رائع لهذا الأمر. وجاء الخلفاء الراشدون فكانوا رؤساء دول وحكاماً سياسيين ، فهذه الدولة الإسلامية في عهد الحليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تضم الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر ، ودام حكمه أكثر من عشر سنوات مارس فيها السياسة بكل تفاصيلها ومعانيها. ولقد كان لعمر بن الخطاب مجلس شوراه ، وأجرى الاستفتاءات الشعبية العامة ، -ولم تكن نتائجها كتلك المحددة سلفا - فعندمـا فتـح المسلمون أرض السواد( العراق) وحدث خلاف حول تقسيم الأرض ولم يبق أحـد له رأي مخالف سوى بلال بن رباح رضي الله عنه فلم يجبره ابن الخطاب رضي الله عنه أن يغير رأيـه ولم يعاقبه على أن له رأيا يخالف الحاكم بل ما كان من عمر إلاّ أن أخذ يدعو الله عز وجل أن يشرح صدر بلال إلى الحق.وقد تناول أبو يوسف صاحب كتاب الخراج هذه المسألة في مقدمة الكتاب الذي يعد بمنزلة النصيحة الموجهة لهارون الرشيد. ولو رجعنا إلى كتب (الأحكام السلطانية) التي تمثل الفكر السياسي الإسلامي لوجدنا أن من شـروط الحاكم المسلم أن يتصف ب (العدالة الجامعة لشروطها) ولو فسرنا هذه العبارة بلغة العصر نجدها تعني أن يكون متدينا أو أن يكون من الإسلاميين ، وهذا التدين هو ما يحلو للإعلام الغربي أن يطلق عليه التشدد والتطرف والأصولية وقد أصابت العدوى الإعلام الإسلامي فنسي مصطلحاته وقـلد مصطلحات الإعلام الغربي. ولو رجعنا إلى التاريخ الإسلامي وطبقنا شرط العدالة هذا نجد أنه لا يتوفر أحيانا فيكون الانحراف في السلوك الفردي للحاكم أو بعض أتباعه ولكنه لا يمكن أن يصبح تياراً يسيطر على الأمة ،بل كان هؤلاء الحكام مدافعين عن الشريعة الإسلامية حماة لها. وثمة شرط آخر يجب أن يتصف به الحاكم المسلم وهو (العلم) الذي يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يصل درجة الاجتهاد . ولو استعرضنا التاريخ الإسلامي على مدى ألف عام وزيادة لوجدنا العلماء الحكام أو الفقهاء الحكام ، وتبدأ هذه السلسلة المباركة بالخلفاء الراشدين فقد كانوا من أعلم الأمـة بالإسلام ، ثم جاء معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وكان من خلفاء بني أمية العلماء عمر بن عبد العزيز و عبد الملك بن مروان. وتواصلت هذه السلسلة حتى عصرنا الحاضر. هكذا كان تاريخ هذه الأمة فمتى أصبح المتدينون شبحا مخيفاً لقد أصبحوا هكذا عندما خافهم الغرب على مصالحه أو توهم أنهم خطر على مصالحه. فأصبحوا مشجبا تعلق عليه كل العيوب والآثام حتى تفنن من المسلمين من وصفهم بالظلاميين بدل الإسلاميين، وأطلق التنوير على الإظلام الذي جاء به لويس عوض وعلى عبد الرازق وسلامة موسى وطه حسين وغيرهم. إن الأمة الإسلامية لمن أعرق الأمم في التسامح واتساع الأفق والانفتاح على الثقافات الأخـرى إذا لم يصل الأمر إلى الطعن في العقيدة ، وهذه الفرق التي ظهرت في تاريخ هذه الأمة رغم خطورة معظمها ووجود عناصر خارجية فيها إلاّ إن المسلمين تركوها وناظروها ، أليس في هذه الأعداد الضخمة من المخطوطات والكتب ما يدل على التسامح . أما اتهام الإسلاميين أو المتدينين بأنهم سيستبدون إذا ما وصلوا إلى الحكم ، فأين الدليل عل هذه الاتهام ، وكأني بأصحاب هذا الاتهام كما يقول المثل ( رمتني بدائها وانسلت ) وقديما قال المتنبي في أمثال هؤلاء: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّ ق ما يعتاد من توهم. ثالثاً: العلاقة بين الإسلام والغرب. ما طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب بمعنى هل يعد الغرب الإسلام عدواً أو صديقا؟ وهل هناك شواهد على ما تقول؟ ثمة حقائق يعتقدها المسلمون ويؤمنون بها وهي أنهم أصحاب الرسالة الخاتمة وانهم الأمة الوسط التي من مسؤوليتها الشهادة على الأمم الأخرى ، لكن هذا المفهوم لا يعطيهم الحق في الاستعلاء الذي يدفع إلى احتقـار غيرهم وظلمهم بل يحرصون على دعوة العالم أجمع الى هذا الدين . والاستعلاء الإيماني كما ورد في الآية الكريمة{وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} يدعو الى التمسك بالإسلام والرضا به والدفاع عنه . ولقد حمل المسلمون الأوائل هذه الدعوة إلى العالم أجمع ، وسادت بهم مبادىء العدل والحق وانتشر العلم والحضارة. وكان ازدهار المسلمين سببا في حقد غيرهم من الأمم ومن هؤلاء الغرب النصراني الذي حمل لواء العداء ضد الإسلام والمسلمين . وقد تمثل هذا العداء في الحروب الصليبية وفي حمـلات الاستعمار أو الاحتلال واستغلال خيرات الشعوب المحتلة وجعل بلادها أسواقا لمنتجات الغرب الصناعي . وقامت الحركات الإسلامية بالدعوة الى تحرر هذه الأمة والاستقلال عن الغرب فكان لها ما أرادت ، لكن هذا الاستقلال لم يكن تاماً حيث إن الغرب منذ فشله في الحروب الصليبية وفي الاستعمار لجأ إلى الغزو الفكري والسيطرة على الأمم الأخرى باستخلاص مجموعة من أبناء البلاد وربطهم به فكريا ، فكانوا أسرى وهم بين أهليهم ، فبالرغم من مغادرة جيوش الاحتلال لكن الارتبـاط أو التبعية للغرب استمرت وربما زادت في بعض الأحوال. فما تزال ثروات العالم الإسلامي تتدفق على الغرب فيصنّعها ويعيدها بأغلى الأثمان ، وقد ارتبطت أنماط المعيشة في العالم الإسلامي بالأنماط الغربية. ولا يغرنّك أن تسمع بين الحين والآخر المزاعم التي تقول" إننا لا نعادي الإسلام ،فالإسلام دين عظيم ، وكانت له حضارة عظيمة ، وهو أحد روافد حضارتنا. هذا الكلام إن لم يدعم بحقائق تؤكـده فهو مجرد دعاية ، احترام الإسلام يقتضي احترام رغبة المسلمين في النظام الذي يحكم حياتهم ويستقلون فعلا في التحكم في ثرواتهم . وهذا هو الاحترام الحقيقي. إن الغرب يزعم أن الحركات الإسلامية- ويصفها بالتشدد والتطرف- تهدد مصالح الغربف العالم الإسلامي ، وهذا كلام غامض فما هذه المصالح؟ إنهم لا يكفون عن دراسته التيارات الإسلامية ويتعاونون مع الحكومات في ضرب هذه التيارات . انظر إلى الأمم المتحدة - وهي التي يسيرها الغرب- جنّدت عشرين ألف جندي للإشراف على الانتخابات في كمبوديا ، فهل يحق للكمبوديين أن تكون لهم حكومة منتخبة ، وعندما يصل الإسلاميون إلى الحكم عن طريق انتخابات أشرف عليها الغرب وتأكد من نزاهتها يقصى الإسلاميون عن الحكم ويودعون السجون في كل مكان في الهند وفي كشمير وفي بورما وفي الفلبين وتحت أنف الغرب وأمام عينيه في البوسنة والهرسك إن الغرب يكيل بمكيالين فإن زعم أنه لا يعادي الإسلام والمسلمين فها هي مآسي المسلمين في كشمير وفي الفلبين وفي بورما ، وفي الشيشان حيث يدكّ الروس عاصمة الشيشان قروزني بكل ما يملكون من قوة .والمسلمون في البوسنة يمنعون من السلاح ليدافعوا عن أنفسهم ، ويصل السلاح إلى الصرب من كل جهة . لو قلنا إن الغرب لا يعادي الإسلام فلماذا يتجمع في الغرب كل ضلّيل وفاسد من أبناء المسلمين ليجد له منبراً هناك بالإضافة إلى المنابر التي تسمح لهم بأن يبثوا فسادهم في العالم الإسلامي. لقد احتفى الغرب بسلمان رشدي وهو ليس أديبا بأية معايير أو مقاييس ،بل إنه لا يستحق هذا اللقب لأن كتاباته لا تخرج عن قاموس لغة الشوارع البذيئة ،إن الغرب يحرسه ويحميه بل يعطيه الجوائز .وهاهي المارقة تسليمه نسرين تنال ما نال رشدي من تكريم لأنها خرجت على العقيدة الإسلامية.ويحتفي الغرب ب محمد سعيد عشماوي ونصر حامد أبو زيد ونوال السعداوي وغيرهم. ولا بد لنا ونحن نتناول علاقة الغرب بالمسلمين أن نتذكر قول الله عز وجل الذي لا ينبغي أن نقدم عليه أي قول { ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} وقوله تعالى{ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} كذلك علينا أن نتذكر قول الله تعالى{ ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} فنقول إن بعض المسلمين الملتزمين وجدوا في الغرب منابر فأسسوا مراكز إسلامية ونشروا الكتب والمجلات وعقدوا الندوات والمؤتمرات ، وإن بعض هذه المؤتمرات والندوات لا يمكن أن يعقد مثلها في كثير من البلاد الإسلامية.، ولكن يبقى الموقف الغالب هو عداؤهم للإسلام.{ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} رابعاً : الإعلام الإسلامي والقناة الفضائية منذ ظهرت وسائل الإعلام الجماهيرية وهي تعمل بفعالية متفاوتة في التأثير في اتجاهات الشعوب المختلفة. وأخذت هذه الفعالية تزداد بازدياد خبرة القائمين على هذه الوسائل وكذلك بدخـول تخصصات علمية أخرى في علم الإعلام مثل علم النفس الجماهيري.وكانت وسائل الإعـلام الجماهيري تتوجه إلى الجمهور عبر حاسة البصر والسمع ولكن هذه الوسائل تطورت كثيرا لتشترك عدة حواس في التأثير وبخاصة في التلفاز والسينما. وقد دخل التلفزيون في منافسة حادة مع الكتاب نجح التلفزيون في الفوز بها حتى أصبحت الساعات التي يتجمد الناس فيها أمام شاشات التلفزيون أكثر بكثير مما يحظى به الكتاب أو وسائل الإعلام الأخرى . ومع ذلك فوسائل الإعلام الأخرى من إذاعة وصحافة ما تزال تحظى بنسبة من الجمهـور ينبغي للدعاة أن يهتموا بها. ويلاحظ أن الحركات الإسلامية التي وقفت في وجه الاحتلال الأجنبي للبلاد الإسلامية استطاعت بفعالية استخدام الصحافة ، فقد كانت لكل حركة مجلاتها وصحفها كما عرفت استخدام الكتاب والخطبة كوسائل للتأثير في الجماهير . وقد دخل الشريط الإسلامي كوسيلة فعالة لنشر العلم والمعرفة. والآن ونحن نعيش في زمن القنوات الفضائية، وما تزال السيطرة للإعلام الغربي على هذا المجال وحتى القنوات الفضائية التابعة للدول العربية الإسلامية ليس لديها رسالة إعلامية واضحة سوى الترفيه والتسلية ، وهذا هدف محدود جداً بالإضافة إلى ما فيه من إبعاد الأمة عن الجد والعمل الفعال. وقد كتب الأدبية الكاتبة د. نوره السعد في زاويتها بجريدة الرياض تنتقد سيطرة الغناء والمغنين على برامج هذه القنوات الفضائية كأنما هي حملة منظمة لرفع مستوى معرفة الأمة بهذه الفئة. نعم إن القناة الفضائية الإسلامية أضحت ضرورة ملحة ، وليس المقصود أن تكون هذه القناة للوعظ والإرشاد ، فالبرامج التي تصلح لهذه القناة كثيرة جداً ، ويقول خبراء الإعلام إن أي برنامج لا يحمـل محالفة صريحة أو ضمنية للعقيدة الإسلامية يمكن عدّه برنامجا إسلاميا. وفي مكتبات التلفزيونات العربـية الإسلامية مئات البرامج التي تصلح . ويمكن أن نذكر أن إحدى المؤسسات قد أخرجت قبل مدة حلقات مأخوذة من كتاب (صور من حياة التابعين) كما شاهد الناس مسلسل عز الدين القسام وكان مسلسلا رائعا جداً. أين المنتجون عن الأفلام الوثائقية عن الشعائر الإسلامية المختلفة كالأعياد والمناسبات المختلفة . إن الحج في الإسلام شعيرة عظيمة توضح كيف يجتمع المسلمـون من شتى أرجاء الأرض على صعيد واحد في أيام معدودات يتبادلون بينهم المنافع ويعيشـون في محبة ووئام ن وتتسم شعائرهم بالبساطة والسهولة واليسر مما يمكن أن يكون مجالا لدعوة الناس لهذا الدين العظيم . ويمكن أن نذكر في هذا المجال مذكرات مالكوم اكس عن الحج.كذلك مما يجذب المشاهدين المسابقات والندوات الجادة التي تحترم عقل المشاهد. وأما أين يكون موقع هذه القناة فليس بالأمر الخطير ، ولكن من المهم أن تتمتع هذه القناة بشيء الاستقلالية على أن تبتعد عن التنافر مع الدولة المضيفة . خامساً : الصحوة الإسلامية كيف تقومون مسارها وقوتها الآن؟ الصحوة الإسلامية تسير بحمد الله بخطى ثابتة نحو هدفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنـكر والدعوة إلى العودة إلى الإسلامية في جميع مجالات الحياة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا. صحيح أنه من الصعب الحديث عن حجم الصحوة الإسلامية وامتدادها دون إجراء دراسات ميدانية تستطلع الآراء ، ولكن معدن هذه الأمة وتاريخها يؤكدان أنه كلما اشتدت الأزمات، وكلما ارتفع صوت الباطل فالعودة أمر حتمي. وقد جربت الأمة منذ خروج الاحتلال الأجنبي أنواعا من التوجيه ثبت فشلها جميعا . فهذه الثورة المصرية جاءت وفتحت المجال لكل الأصوات المحاربة للدين فانتشرت المجلات والصحف التي لم يكن لها من هم إلاّ السخرية بالدين ورموزه ، وظهرت الشخصيات الكاريكاتورية للسخرية من علماء الدين وللتنفير من الإسلامية ، ومع ذلك ازداد التمسك بالإسلامية يشهد بذلك عودة الناس إلى المساجد وإلى التمسك بقيم الإسلامية وأخلاقه.وظهرت في غير مصر أحزابا قومية اشتراكية كلها تحارب الإسلامية وتعاديه ، ومع ذلك استمر تمسك الأمة بالإسلامية. أما أن يكون هناك خطاً معاكسا للصحوة الإسلامية فما كانت طريق الدعوات وبخاصة الدعوات الصحيحة مفروشة بالورود ، فلا بد إذن من الابتلاء والصعوبات والعراقيل والعقبات . فقد رضي الاحتلال الأجنبي أن يغادر البلاد العربية الإسلامية وهو يعلم أن مصالحه ستجد من يرعاها. ألم تبق اقتصاديات الدول العربية الإسلامية مرتبطة بالاقتصاد الغربي ؟ وهذه حياتنا الاجتماعية وأنماطنا الاستهلاكية فرضت علينا استمرار الاستيراد من الغرب بل أن الاستيراد تزداد حمّاه باستمرار ، وبقيت الصناعة متواضعة ، وتراجعت الزراعة في البلاد العربية الإسلامية حتى إن هـذه البلاد ما تزال تعتمد في غذائها على زارع القمح الأمريكي والأوروبي. وكذلك بالنسبة للتبعية في مجال السياسة والاجتماع وغيرهما من المجالات . نعم انتشرت مقولة ( تجفيف منابع التدين ) وتحاول بعض الحكومات محاربة أي مظهر من مظاهر التمسك بالإسلامية ، لكن هذه الحكومات لن تستطيع أن تغلق المساجد او تمنع الناس من تلاوة القرآن الكريم في صلواتهم وفي خلواتهم ، وسوف يخيب سعيها وتفشل في النهاية. ومن وسائل محاربة الصحوة الإسلامية ظهور مخرجين سينمائيين اتخذوا من موضوع التدين والصحوة الإسلامية مجالا لأفلامهم ، ولكن كثيراً من هذه الأفلام أو كلها فشلت في إحداث الأثر الذي خطط له. كما إن بعض هؤلاء المخرجين طلعوا علينا بأفلام غاية في الفحش والبذاءة ، وقد كتب الأستاذ محمد صلاح الدين في زاويته المعروفة في صحيفة " المدينة المنورة" (الفلك يدور) إن هؤلاء المخرجين تفوقوا على أساتذتهم من الفرنسيين والغربيين في هذا المجال كأنما جعلوا هدفهم إشاعة الفاحشة بالتركيز على الجنس وإثارة الغرائز. وهذا يذكرني بجائزة الوقاحة (الفرنسية ) حيث نشرت "الصباحية" قبل سنتين تقريباً خبر فوز كاتبين مغربيين بجائزة الوقاحة من هيئة فرنسية . وقد احتفلت القنصلية الفرنسية في الرباط بتكريم هذين الكاتبين ، وطالب القنصل الفرنسي من المغرب تكريمهما. والوقاحة التي تمثلت في هذين الكاتبين لم تخرج عن تشجيع الانحلال الخلقي والفساد. وهكذا فمهما كانت المعوقات في طريق الصحوة فإنها ماضية في طريقها بإذن الله لن الله عز وجل قد تكفل بنصر المؤمنين كما جاء في قول الله تعالى{ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وقوله تعالى{ إن الله يدافع عن الذين آمنوا}. سادساً: العلم مقياس القوة من الأمور المحزنة أن تملك الأمة الإسلامية هذه الإمكانيات العلمية الهائلة وتبقى تتسول العلم والتكنولـوجيا من أرجاء الأرض أو تبقى هذه الطاقات معطلة. وقد كتب الشيخ محمد الغزالي يحفظه الله قبل أكثر من خمسين سنة كتابا بعنوان ( الطاقات المعطلة) اهتم فيه بالطاقات المتوفرة محليا في مصر ولكنها معطلة عن العمل كالأرض الزراعية والأيدي الشابة العاملة والعقول المفكرة المبدعة. ولعل الشيخ الغزالي لم يتحدث حينذاك عن الطاقات الهاربة اختياراً أو كرها. ولو قدر لأحد أن يحـدّث معلومات كتاب الشيخ الغزالي لكانت الطاقات المعطلة أضخم بكثير مما كانت عليه في ذلك الحين. ومن المراجع المهمة حول هذا الموضوع كتاب الدكتور محمد عبد العليم مرسي(هجرة العلمـاء من العالم الإسلامي)الصادر عن إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1404-1984 تحدث فيه عن خطورة ظاهرة هجرة العلماء وأثرها على العالم الإسلامي ، كما تناول أسباب هجرة العلماء وذوي الكفاءات من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية.وقد تضمن الكتاب إحصائيات وأرقاما مهمة حول هذه الظاهرة. ونحن هنا أمام مشكلتين إحداهما الإفادة من العقول والخبرات المتوفرة ، والثانية استعادة العقول المهاجرة. وليس ثمة علاج سحري ،ولكني أذكر أن الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعإلى قد دعي لإلقاء محاضرة في تونس حول الحالة العلمية في الجزائر ( وكانت الجزائر وتونس محتلتين) فاختار أن يتحدث عن السياسة قائلا:" وكلامنا اليوم عن العلم والسياسة معاً ، وقد يرى بعضهم أن هذا الباب صعب الدخول لأنهم تعودوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن مسـالك السياسة مع أنه لا بد لنا من الجمع بين السياسة والعلم ، ولا ينهض العلم بحق الاّ اذا نهضت السياسة بجد." ولعلنا نفيد من هذه العبارات أن الاستقرار السياسي أمر ضروري جداً لازدهار البلاد في المجال العلمي ، حيث يتوفر للعلماء الجو الفكري والحياة الكريمة ، كما إن الاستقرار السياسي يعني بذل الحكومات جهدا أكبر في المجال العلمي، والدليل على ذلك أن موازنات البحث العلمي في الدول المتقدمة تصل إلى نسبة كبيرة من مجمل الدخل القومي. ومن العجيب أن الأمة الإسلامية التي تشكو حاليا من هجرة علمائها كانت هي التي تستقطب العلماء من جميع الأجناس ، وحتى عندما اصبح في الأمة كيانات سياسية عديدة ظل زعماء هذه الكيانات يولون العلم اهتماما كبيراً.ومن الأمثلة على اهتمام هذه الأمة بالعلم والعلماء انه في عصر الدولة الأيوبية عرفت هذه الدولة بتقريب العلماء حتى إن صلاح الدين خاطب قادته العسكريين ذات مرة قائلاً :" لا تظنوا أني بسيوفكم وحدت البلاد، إنما وحدتها بقلم القاضي الفاضل." وقد ابتلينا في العصر الحاضر بالميل إلى الخبراء الأجانب والشركات المتعددة الجنسيات التي تفضل هؤلاء الخبراء على أبناء البلاد . وحتى إن سمحت لعدد من أبناء البلاد بالعمل معها فإن المناصب القيادية تكون عادة في يد هؤلاء الخبراء . وهذا ما ذكره الدكتور أحمد بلال من جامعة دمشق في بحثه القيم المنشور في مجلة (شؤون عربية) العدد 65 في أبريل 1991.وأضاف الدكتور بلال أن الإحصائيات تدل على أن ما ينفق في مجال البحث العلمي في العالم الثالث( والبلاد الإسلامية معظمهـا تصنف ضمنها) مقارنة بما ينفق في أوروبا وأمريكا أقل بثلاث مرات تقريباً . ومن معوقـات البحث العلمي كما ذكر الدكتور بلال :" نقص الأجهزة والدوريات العلمية ، والاحتكاك الخارجي عبر المؤتمرات والندوات ومستلزمات البحث العلمي.... وعدم توفير الجو العلمي البعيد عن البيروقراطية والروتين ." ويقول الدكتور بلال أن هذه المشكلة لم تنل حظها من العناية والاهتمام " ويمكن تلخيص أسباب هذه الهجرة بعملية جذب ودفع للباحث في آن واحد، جذب من الخارج يتمثل في تأمين طموحاته ، وقبل كل شيء في إمكانية قيامه بالبحث العلمي .... ويقابل هذا الجذب دفع داخلي يكمن في المؤثرات المذكورة وعدم تأمين مستلزمات الباحث وشروط إقامته الدنيا." ولعل من وسائل تشجيع البحث العلمي أن تجعل المؤسسات التجارية والشركات نصيبا من ميزانياتها للبحث العلمي ولتشجيع إقامة الندوات والمؤتمرات في شتى المجالات العلمية والعلوم الاجتماعية وفي الآداب وسواها. وقد تعجبت أن الدكتور أحمد بلال ذكر أن بعض العلماء في العالم الإسلامي يصلون إلى سن معين فيتوقفون عن البحث العلمي. وإن كانت الحقيقة أن بعض أصحاب الشهادات العليا يتوقفون عن البحث العلمي بمجرد حصولهم على المؤهل الدراسي. سابعاً: برنامج باكستان النووي قبل عدة سنوات نشرت مجلة "المجتمع" الكويتية في عددها 986 الصادر في 22 رجب 1412 مـطولاً مع رئيس البرنامج النووي الباكستاني البرفسور عبد القدير خان .ولكن هذه المقابلة لم تنـل ما تستحقه من الاهتمام من وسائل الإعلام العربية الإسلامية فكتبتٌ في صحيفة "المسلمون" في العدد 369 الصادر في 10 رمضان 1412 معلقا على هذه المقابلة مشيرا إلى عدد من الحقائق التي لا بأس من إعادتها هنا وهي: أولا: إن العلماء المسلمين لا يقلون قدرة وذكاءً وعلما عن غيرهم من العلماء الآخرين سواءً في هذا المجال أو في غيره. ثانيا: إن امتلاك الأمة الإسلامية للسلاح النووي إنما هو اتباع لقول الله عز وجل( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) . ولما كانت الطاقة النووية في استطاعة المسلمين فلماذا لا يملكونها و لا يستخدمونها ؟وهم الذين إن امتلكوها استخدموها في الحق والسلام ونشر العدل كما وصفهم ربهم عز وجل:(الذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) ثالثا: لا يستغرب أبدا أن يقف الغرب ضد امتلاك باكستان السلاح النووي في حين يسكت عن امتلاك الصين والهند لهذا السلاح ، ويسكت عن إسرائيل التي تملك حوالي 200 إلى 300 رأس نووي وصواريخ طويلة المدى ومتوسطة المدى لإيصالها إلى أهدافها.بل المستغرب أن لا تقف الدول العربية الإسلامية تدعم باكستان سياسيا وعسكريا واقتصاديا ومعنويا ضد هذه الحملة . رابعا: إن العالم الذي نعيش فيه لا يعترف بالحق إلاّ لمن معه القوة للدفاع عن حقه ، ومن الأمثال الغربية مثل يقول ( القوة هي الحق) Might is Right . وليس هذا موقف الإسلامي الذي دعا إلى مناصرة الضعيف وهذه كلمات أبي بكر الصديق رضي الله عنه :" القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له ." ولو لم يكن الحق بحاجة إلى قوة تدعمه وتدافع عنه لما أمر القرآن الكريم بإعداد القوة وجاء في الحديث النبوي الشريف قوله صلى الله عليه وسلم :(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) وكان صلى الله عليه وسلم يشرف بنفسه على التدريبات العسكرية للصحابة . وللطرافة والفائدة أذكر أن غلاف إحدى مجلات الطيران حمل رسماً لطائرة حربية تقوم بصناعتها الشركة الأوروبية للصناعات الفضائية وكتب تحت الصورة( القوة من أحل السلام) وأختم بقول الشاعر المسلم ملكنا فكان العفو منّا سجية ولما ملكتم سال بالدم أبطح فليس عجيبا هذا التفاوت بيننا فكل إناء بالذي فيه ينضح. ثامناً: الحملات التنصيرية خطر الحملات التنصيرية ليس جديداً ، وليس وليد الأمس القريب ، ولكنه يعود إلى مئات السنين حينما بدأت أوروبا حملاتها الاستعمارية ولها جناحان أحدهما الاستشراق والثاني التنصير . وكما عرفت أوروبا الدقة والتنظيم والتخطيط في نهضتها التي استطاعت بها أن تفرض حضارتها وقيمها على الشعوب الأخرى ، استخدمت هذه الوسائل في التنصير الذي يعد جزء اً من هذه الحضارة وقد أفاد من هذه النهضة وهذه الإمكانيات. ففي أثناء احتلال بريطانيا للهند كان الدين النصراني يحارب في بريطانيا ، ولكـان بضاعة للتصدير إلى المستعمرات حتى إن الشاعر الإنجليزي المشهور شيلى Shelly كتـب يشجـع الحملات التنصيرية في الهند لأنها في نظره تسهم في نهضة وتطوير الشعوب المتخلفة في الهند وفي غيرها. وكان عمل التنصير منظما ودقيقا حتى قيض الله عز وجل من علماء الأمة الإسلامية في الهند للوقوف في وجه التنصير وكان من هؤلاء الشيخ رحمة الله الكيرواني وعلمـاء آخرون أخذوا على عاتقهم مناظرة المنصرين وإحراجهم ، ولكن سيف الدولة كان في يد التنصير فاستعانوا به على علماء الأمة. وللتنصير عدة مؤسسات عالمية منها (مجلس الكنائس العالمي) ، وللكنائس الكاثوليكية تنظيمها العالمي الذي يتزعمه رئيسهم في الفاتيكان الذي يكن له النصارى الاحترام والتقديس حتى لو لم يكونوا على مذهبه . وهذه التنظيمات العالمية لن يستطيع مقاومتها أو الوقوف في وجهها إلاّ تخطيط دقيق مماثل وإمكانيات تقابل الإمكانيات. وقد خطا العالم الإسلامي بحمد الله وتوفيقه خطوات مباركة في هذا السبيل حتى أصبح لدينا مؤسسـات عالمية أصبحت راسخة القدم بالرغم من حداثة عهدها تقاوم التنصير وإن كـانت قدراتها ودعم الشعوب الإسلامية لها مازال دون ما تحظى به الجمعيات التنصيرية من دعم لدى الشعوب الغربية. ولذلك فإن مواجهة التنصير يجب أن تسير في خطين متوازيين : أحدهما الدعوة الى عـودة المسلمين إلى عقيدتهم ودينهم ، والخط الثاني العمل على إنقاذ الشعوب الإسلامية من الوقوع في براثن التنصير بإيجاد الحلول لما تعانيه من جهل ومرض وفقر، فقد عرف أن التنصير لا ينتعش إلاّ في وجود هذا الثالوث الخطير. والله الموفق. |
