Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web


مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق

الإستشراق

بسم الله الرحمن الرحيم

الاستشراق

إعداد

د. مازن بن صلاح مطبقاني

أستا ذ مساعد - قسم الاستشراق

كلية الدعوة بالمدينة المنورة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

تقديم :

كثيراً ما يتردد على ألسنة الخطباء وفي الصحف والمجلات وفي الكتب كلمة استشراق وبخاصة عندما يكون الحديث عن الغزو الفكري أو الثقافي وآثاره السيئة. وقد بالغ البعض في ذم الاستشراق وكل ما يمت إليه بصلة، بينما يرى البعض أن الاستشراق إنما هو جهد علمي لدراسة الشرق، وبخاصة بعض الذين تتلمذوا على أيدي بعض المستشرقين حيث يرون فيهم المثال في المنهجيـة والإخلاص والدقة وغير ذلك من النعوت المادحة.

والحقيقة إن الاستشراق قد شغل حيزاً كبيراً في الكتابات العربية وذلك لأن الحضارة الغربية التي نشأ فيها الاستشراق هي الحضارة الغالبة في العصر الحاضر. فقد كتب المستشرقون في شتى القضايا الإسلامية ابتداءً من القرآن الكريم وتفسيره والكتابة حول السنة النبوية والتاريخ الإسلامي إلى الكتابة في اللغة العربية وآدابها وشتى القضايا في الإسلام وحياة المسلمين اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. ومما أضاف إلى أهمية الاستشراق أن البعثات العلمية إلى ديار الغرب بدأت منذ بداية القرن التاسع عشر في عهد محمد علي الكبير وبعض الحكام المعاصرين له في العالم الإسلامي. وقد تلقى كثير من أبناء المسلمين العلوم الإسلامية على أيدي المستشرقين. ولم يتوقف الأمر عند هذا فقد استضافت بعض الجامعات العربية والإسلامية عدداً من هؤلاء للتدريس فيها كما حدث في الجامعة المصرية حين استضافت بعض المستشرقين لتدريس آداب اللغة العربية.

وقد صدرت كتابات كثيرة تتناول تعريف الاستشراق ونشأته وأهدافه ودوافعه ومناهجه، ولما كانت الموسوعة الوسيطة للأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة رأت أن يكتب عن الاستشراق لما له من تأثير في الفكر العربي الإسلامي المعاصر فقد كانت هذه الصفحات التي تحاول أن تقدم تعريفاً للاستشراق وأهدافه وأثره في العالم الإسلامي في النواحي العقدية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. كما تتضمن الصفحات الآتية تعريفاً بأبرز المستشرقين ونبذة عن إنتاجهم الفكري.

تعريف الاستشراق:

ما معنى هذه الكلمة؟ لو أرجعنا هـذه الكلمة إلى أصلها لوجدناها مأخوذة من كلمة شرق ثم أضيف إليها ثلاثة حروف هي الألف والسين والتاء ،ومعناها طلب الشرق ، وليس طلب الشرق سوى طلب علوم الشرق وآدابه ولغاته وأديانه.ولعل هذا التعريف اللغوي بالنسبة للغة العربية. أما في اللغات الأوروبية فثمة تعريف آخر يدل على أن المقصود بالشرق ليس الشرق الجغرافي وإنما الشرق المقترن معنى الشروق والضياء والنور والهداية. وهذا ما تناوله سيد محمد الشاهد في تعريفه للاستشراق مستعيناً بالمعاجم الغربية حيث يرى أن كلمة استشراق لا ترتبط فقط بالمشرق الجغرافي وإنما تعني أن الشرق هو مشرق الشمس ولهذا دلالة معنوية بمعنى الشروق والضياء والنور والهداية بعكس الغروب بمعنى الأفول والانتهاء .وقد رجع أحد الباحثين المسلمين وهو السيد محمد الشاهد إلى المعاجم اللغوية الأوروبية ( الألمانية والفرنسية والإنجليزية) ليبحث في كلمة شرقORIENT فوجد أنه يشار إلى منطقة الشرق المقصودة بالدراسات الشرقية بكلمة " تتميز بطابع معنوي وهو Morgenland وتعني بلاد الصباح ، ومعروف أن الصباح تشرق فيه الشمس، وتدل هذه الكلمة على تحول من المدلول الجغرافي الفلكي إلى التركيز على معنى الصباح الذي يتضمن معنى النور واليقظة، وفي مقابل ذلك نستخدم في اللغة كلمة Abendlandوتعني بلاد المساء لتدل على الظلام والراحة." ()

وفي اللاتينية تعني كلمة Orient : يتعلم أو يبحث عن شيء ما ، وبالفرنسية تعنى كلمة Orienter وجّه أو هدى أو أرشد ، وبالإنجليزية Orientation , وorientate تعني" توجيه الحواس نحو اتجاه أو علاقة ما في مجال الأخلاق أو الاجتماع أو الفكر أو الأدب نحو اهتمامات شخصية في المجال الفكري أو الروحي. " ومن ذلك أن السنة الأولى في بعض الجامعات تسمّى السنة الإعدادية Orientation . وفي الألمانية تعني كلمة Sich Orientiern " يجمع معلومات (معرفة) عن شيء ما .()

التعريف الاصطلاحي:

أما في الاصطلاح فإننا نعود إلى ما كتبه الغربيون أولاً عن هذا المجال المعرفي الذي أنشئت المعاهد والكليات والأقسام العلمية لدراسته. ويرى بعض الباحثين الغربيين أن مصطلح الاستشراق ظهر في الغرب منذ قرنين من الزمان على تفاوت بسيط بالنسبة للمعاجم الأوروبية المختلفة، لكن الأمر المتيقن أن البحث في لغات الشرق وأديانه وبخاصة الإسلام قد ظهر قبل ذلك بكثير. ولعل كلمة مستشرق قد ظهرت قبل مصطلح استشراق، فهذا آربري Arberry في بحث له في هذا الموضوع يقول :" والمدلول الأصلي لاصطلاح (مستشرق) كان في سنة 1638(أحد أعضاء الكنيسة الشرقية أو اليونانية ) وفي سنة 1691 وصف آنتوني وود Anthony Wood صمويل كلارك Samuel Clarke بأنه (استشراقي نابه) يعنى ذلك أنه عرف بعض اللغات الشرقية . وبيرون في تعليقاته على Childe Harold's Pilgrimage يتحدث عن المستر ثورنتون وإلماعاته الكثيرة الدالة على استشراق عميق."()

وقد عرّف غربيون آخرون الاستشراق ومن هؤلاء المستشرق رودي بارت حيث يقول:" الاستشراق علم يختص بفقه اللغة خاصة. وأقرب شي إليه إذن أن نفكر في الاسم الذي أطلق عليه، كلمة استشراق مشتقة من كـلمة "شرق" وكلمة شرق تعني مشرق الشمس ، وعلى هذا يكون الاستشراق هو علم الشرق أو عـلم العالم الشرقي." () ويعتمد المستشرق الإنجليزي آربري تعريف قاموس أكسفورد الذي يعرف المستشرق بأنه " من تبحّر في لغات الشرق وآدابه."()

ومن الغربيين الذين تناولوا ظهور الاستشراق وتعريفه المستشرق الفرنسي مكسيم رودنـسون Maxime Rodinson الذي أشار إلى أن مصطلح الاستشراق ظهر في اللغة الفرنسية عام 1799بينما ظهر في اللغة الإنجليزية عام 1838، وأن الاستشراق إنما ظهر للحاجة إلى " إيجاد فرع متخصص من فروع المعرفة لدراسة الشرق" ويضيف بأن الحاجة كانت ماسة لوجود متخصصين للقيام على إنشاء المجلات والجمعيات والأقسام العلمية .()

ولو انتقلنا إلى العرب والمسلمين الذين تناولوا هذا المصطلح نجد أن إدوارد سعيد عدة تعريفات للاستشراق منها أنه : " أسلوب في التفكير مبني على تميّز متعلق بوجود المعرفة بين "الشرق"( معظم الوقت) وبين الغرب"()ويضيف سعيد بأن الاستشراق ليس مجرد موضوع سياسي أو حقل بحثي ينعكس سلباً باختلاف الثقافات والدراسـات أو المؤسسات وليس تكديساً لمجموعة كبيرة من النصوص حول المشرق … إنه بالتالي توزيع للوعي الجغرافي إلى نصوص جمالية وعلمية واقتصادية واجتماعية وفي فقه اللغة (). وفي موضع آخر يعرف سعيد الاستشراق بأنه المجال المعرفي أو العلم الذي يُتوصل به إلى الشرق بصورة منظمّة كموضوع للتعلم والاكتشاف والتطبيق.() .ويقول في موضع آخر إنّ الاستشراق: نوع من الإسقاط الغربي على الشرق وإرادة حكم الغرب للشرق."()

لقد قدّم أحمد عبد الحميد غراب مجموعة من التعريفات للاستشراق استناداً إلى العديد من المراجع في هذا المجال ثم اختار أن يجمع بينها في تعريف واحد وهـذا التعريف هو : " هو دراسات "أكاديمية " يقوم بها غربيون كافرون - من أهل الكتاب بوجه خاص- للإسلام والمسلمين، من شـتى الجوانب : عقيدة ،وشريعة ، وثقافة ، وحضارة ، وتاريخاً، ونظمـاً، وثروات وإمكانات .. .بهدف تشويه الإسلام ومحاولة تشكيك المسلمين فيه ، وتضليلهم عنه ، وفرض التبعية للغرب عليهم ، ومحاولـة تبرير هذه التبعية بدراسات ونظريات تدعي العلمية والموضوعية ، وتزعم التفوق العنصري والثقافي للغرب المسيحي على الشرق الإسلامي."()

وبالرغم من اجتهاد الباحث في هذا التعريف لكنه كان يجب أن يتجرد عن أي أفكار سابقة أو تعميمات . ومن خلال متابعة للاستشراق فإننا يمكن أن نقول إنّ الاستشراق هو كل ما يصدر عن الغربيين من أوروبيين( شرقيين وغربيين بما في ذلك السوفيت) وأمريكيين من دراسات أكاديمية (جامعية) تتناول قضايا الإسلام والمسلمين في العقيدة، وفي الشريعة، وفي الاجتماع ، وفي السياسة أو الفكر أو الفن ، كما يلحق بالاستشراق كل ما تبثه وسائل الإعلام الغربية سواء بلغاتهم أو باللغة العربية من إذاعات أو تلفاز أو أفلام سينمائية أو رسوم متحركة أو قنوات فضائية، أو ما تنشره صحفهم من كتابات تتناول المسلمين وقضاياهم. كما أن من الاستشراق ما يخفى علينا مما يقرره الباحثون والسياسيون الغربيـون في ندواتهم ومؤتمراتهم العلنية أو السرية. ويمكننا أن نلحق بالاستشراق ما يكتبه النصارى العرب من أقباط ومارونيين وغيرهم ممن ينظر إلى الإسلام من خلال المنظار الغربي . ولا بـد أن نلحق بالاستشراق ما ينشره الباحثون المسلمون الذين تتلمذوا على أيدي المستشرقين وتبنوا كثيراً من أفكار المستشرقين حتى إن بعض هؤلاء التلاميذ تفوق على أساتذته في الأساليب والمناهج الاستشراقية. ويدل على ذلك احتفال دور النشر الاستشراقية بإنتاج هؤلاء ونشره باللغات الأوروبيـة على أنها بحوث علمية رصينة أو ما يترجمونه من كتابات بعض العرب والمسلمين إلى اللغات الأوروبية.()

وكان الاستشراق ومازال يهتم بالشعوب الشرقية عموماً التي تضم الهند وجنوب شرق آسيا والصين واليابان وكوريا. وعند مراجعة النشاطات الاستشراقية نجد أن هذه المناطق نالت اهتماماً كبيراً في الدراسات الاستشراقية. ولكنها عندما بدأت دراسة المناطق أو الدراسات الإقليمية أصبحت تخصص بدراسات خاصة بها مثل الدراسات الصينية أو الدراسات الهندية أو الدراسات اليابانية. أما الأصل فكانت كلها تضم تحت مصطلح واحد هو ( الاستشراق)

نبذ الغرب لهذا المصطلح

ويجب أن نتوقف عند القرار الغربي بالتوقف عن استخدام مصطلح استشراق أو كما قال لويس إن هذا المصطلح قد ألقي به في مزابل التاريخ. فقد رأى الغرب أن هذا المصطلح ينطوي على حمولات تاريخية ودلالات سلبية وأن هذا المصطلح لم يعد يفي بوصف الباحثين المتخصصين في العالم الإسلامي. فكان من قرارات منظمة المؤتمرات العالمية في مؤتمرها الذي عقد في باريس عام 1973 بأن يتم الاستغناء عن هذا المصطلح، وأن يطلق على هذه المنظمة ( المؤتمرات العالمية للدراسات الإنسانية حـول آسيا وشمال أفريقياICHSANA ) ()وعقدت المنظمة مؤتمرين تحت هذا العنوان إلى أن تم تغييره مرة ثانية إلى (المؤتمرات العالمية للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية ICANAS ). وقد عارض هذا القرار دول الكتلة الشرقية (روسيا والدول التي كانت تدور في فلكها)() ومع ذلك ففي المؤتمر الدولي الخامس والثلاثين للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية الذي عقد في بودابست بالمجر كان مصطلح استشراق ومستشرقين يستخدم دون أي تحفظات، مما يعني أن الأوروبيين الغربيين والأمريكيين هم الأكثر اعتراضـاً على هذا المصطلح ولعل هذا ليفيد المغايرة بحيث يتحدثون عن المستشرقين ليثبتوا أنهم غير ذلك بل هم مستعربونArabists أو إسلاميون Islamists أو باحثون في العلوم الإنسانية Humanistsأو متخصصون في الدراسات الإقليمية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي تختص ببلد معين أو منطقة جغرافية معينة . أما موقفنا نحن من هذا التخصص أو التخصصات فإنه يسعنا ما وسع الغربيين فإن هم اختاروا أن يتركوا التسمية فلا بأس من ذلك شريطة أن لا نغفل عن استمرار اهتمامهم بدراستنا والكتابة حول قضايانا وعقد المؤتمرات والندوات ونشر الكتب والدوريات حول العالم الإسلامي واستمرار أهداف الاستشراق. وأن لا يصرفنا تغيير الاسم عن الوعي والانتباه لما يكتبونه وينشرونه.

نشأة الاستشراق وتطوره

اختلف الباحثون في نشأة الاستشراق في تحديد سنة معنية أو فترة معينة لنشأة الاستشراق فيرى البعض أن الاستشراق ظهر مع ظهور الإسلام. ولعل اهتمام النصارى بهذا الدين يعود إلى هجرة المسلمين إلى الحبشة وقد كان ملكها النجاشي نصرانياً وما دار من حديث حول هذا الدين بين البطارقة في مجلسه، وكيف أدرك هذا الملك حقيقة هذا الدين فاعتنقه. وكانت الفرصة الثانية لتعرف النصارى على هذا الدين حينما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم رسله إلى الملوك والأمراء خـارج الجزيرة العربية وكان هرقل عظيم الروم أحد هؤلاء الملوك وكان أبو سفيان في تجارة له إلى الشام فاستدعاه هرقل وسأله عن الإسلام وأظهر هرقل اقتناعه بصدق هذا الدين وحقيقته().و هنـاك رأي بأن غزوة مؤتة التي كانت أول احتكاك عسكري تعد من البدايات للاستشراق ويرى آخرون أن أول اهتمام بالإسلام والرد عليه بدأ مع يوحنا الدمشقي وكتـابه الذي حاول فيه أن يوضح للنصارى كيف يجادلون المسلمين. ويرى آخرون أن الحروب الصليبية هي بداية الاحتكـاك الفعلي بين المسلمين والنصارى الأمر الذي دفع النصارى إلى محاولة التعرف على المسلمين. وبخاصة أنه بعد هزيمة لويس التاسع وأسره في المنصورة وما تمخض عنه تفكيره من صعوبة هزيمة المسلمين عسكرياً فلا بد من التخطيط الفكري بجانب التخطيط الحربي والسياسي مما تمخض عنه بداية الدراسات الاستشراقية.

ومن الآراء في بداية الاستشراق أنه بدأ بقرار من مجمع فيينا الكنسي الذي دعا إلى إنشاء كراسي لدراسة اللغات العربية والعبرية والسريانية في عدد من المدن الأوروبية مثل باريس وأكسفورد وغيرهما.ويرى الباحث الإنجليزي ب.إم هولت P.M. Holt أن القرارات الرسمية لا يتم تنفيذها بالطريقة التي أرادها صاحب القرار لذلك فإن القرار البابوي هنا لا يعد البداية الحقيقية للاستشراق.()

وثمة رأي له عدد من المؤيدين أن احتكاك النصارى بالمسلمين في الأندلس هو الانطلاقة الحقيقية لمعرفة النصارى بالمسلمين والاهتمام بالعلوم الإسلامية ويميل إلى هذا الرأي بعض رواد البحث في الاستشراق من المسلمين ومنهم الشيخ الدكتور مصطفى السباعي ()

ولاشك أن هذه البدايات لا تعد البداية الحقيقية للاستشراق الذي أصبح ينتج ألوف الكتب سنوياً ومئات الدوريات ، ويعقد المؤتمرات. وإنما تعد هذه جميعا-كما يقول الدكتور النملة -:" من قبيل الإرهاص لها وما أتى بعدها يعد من قبيل تعميق الفكرة، والتوسع فيها وشد الانتباه إليها."() فالبداية الحقيقية للاستشراق الذي يوجد في العالم الغربي اليوم ولا سيما بعد أن بنت أوروبا نهضتها الصناعية والعلمية وأصبح فيها العديد من الجامعات ومراكز البحوث وأنفقت ولا تزال تنفق بسخاء على هذه البحوث قد انطلقت منذ القرن السادس عشر حيث " بدأت الطباعة العربية فيه بنشاط فتحركت الدوائر العلمية وأخذت تصدر كتاباً بعد الآخر .."()ثم ازداد النشاط الاستشراقي بعد تأسيس كراس للغة العربية في عدد من الجامعات الأوروبية مثل كرسي أكسفورد عام 1638 وكامبريدج عام 1632.ويضيف سمايلوفيتش بأن تأسيس الجمعيات العلمية مثل الجمعية الأسيوية البنغالية والجمعية الاستشراقية الأمريكية والجمعية الملكية الآسيوية البريطانية وغيرها بمنزلة " الانطلاقة الكبرى للاستشراق حيث تجمعت فيها العناصر العلمية والإدارية والمالية فأسهمت جميعها إسهاماً فعّالاً في البحث،والاكتشاف والتعرف على عالم الشرق وحضارته فضلاً عما كان لها من أهداف استغلالية واستعمارية."()وكان من المشروعات الاستشراقية المهمة إنشاء مدرسة اللغات الشرقية الحية في فرنسا برئاسة المستشرق الفرنسي سلفستر دي ساسي Silvester de Sacy التي كانت تعد قبلة المستشرقين الأوروبيين وساهمت في صبغ الاستشراق بالصبغة الفرنسية مدة من الزمن.()وإنشاء الجمعيات الاسشتراقية وأيضاً بداية منظمة المؤتمرات العالمية للمستشرقين عام 1873 في عقد مؤتمراته السنوية.

أهداف الاستشراق:

1- الهدف الديني :

تتداخل الدوافع مع الأهداف أحياناً فإن الهدف الديني الذي أراد الاستشراق تحقيقه كان دافعه الأساس كما يقول آصف حسين أن رجال الدين النصارى رأوا قوة الإسلام واندفاع كثير من النصارى للدخول فيه واستيلاء الإسلام على أراض كانت النصرانية هي الدين الوحيد فيها حتى أصبح النصارى قله فخاف هؤلاء على مكانتهم ومكاسبهم الدنيوية والدينية مما أجج أحقادهم فكان لابد أن يقفوا في وجه الإسلام حيث إنه ليس في الإسلام طبقة رجال دين أو أكليروس كما في النصرانية.()

فغاية الهدف الديني هي معرفة الإسلام لمحاربته وتشويهه وإبعاد النصارى عنه، وقد اتخذ النصاري المعرفة بالإسلام وسيلة لحملات التنصير التي انطلقت إلى البلاد الإسلامية،وكان هدفها الأول تنفير النصارى من الإسلام. ولذلك فإن الكتابات النصرانية المبكرة كانت من النوع المتعصب والحاقد جداً حتى إن بعض الباحثين الغربيين في العصر الحاضر كتب نقداً عنيفاً لاستشراق العصور (الأوروبية ) الوسطى من أمثال نورمان دانيال Norman Daniel في كتابه الإسلام والغرب.() فقد كتب دانيال أن أسباب حقد النصارى وسوء فهمهم للإسلام مـازال بعضه يؤثر في موقف الأوروبيين من الإسلام بالرغم من التحسن العظيم الحديث في الفهم والذي أشاد به بعض المسلمين .()وكتاب ريتشارد سوذرن صورة الإسلام في العصور الوسطى.()

2- الهدف العلمي:

ما كان لأوروبا أن تنهض نهضتها دون أن تأخذ بأسباب ذلك وهو دراسة منجزات الحضارة الإسلامية في جميع المجالات العلمية .فقد رأى زعماء أوروبا " أنه إذا كانت أوروبا تريد النهوض الحضاري والعلمي فعليها بالتوجه إلى بواطن العلم تدرس لغاته وآدابه وحضارته"() وبـالرجوع إلى قوائم الكتب التي ترجمت إلى اللغات الأوروبية لعرفنا حقيقة أهمية هذا الهـدف من أهداف الاستشراق فالغربيين لم يتركوا مجالاً كتب فيه العلماء المسلمون حتى درسـوا هذه الكتابات وترجموا عنها، وأخذوا منها.وقد أشار رودي بارت Rudi Paret -في كتابه عن الدراسات العربية الإسلامية -إلى إمكانية أن تقوم الأمة الإسلامية في العصر الحاضر بدراسة الغرب فيما يمكن أن يطلق عليه علم الاستغراب ()، فإن المسلمين في نهضتهم الحاضرة بحاجة إلى معرفة الإنجازات العلمية التي توصل إليها الغرب عبر قرون من البحث والدراسة والاكتشافات العلمية والاستقرار السياسي والاقتصادي.

3- الهدف الاقتصادي التجاري.

عندما بدأت أوروبا نهضتها العلمية والصناعية والحضارية وكانت في حاجة إلى المواد الأوليـة الخام لتغذية مصانعها ، كما أنهم أصبحوا بحاجة إلى أسواق تجارية لتصريف بضائعهم كان لا بد لهم أن يتعرفوا إلى البلاد التي تمتلك الثروات الطبيعية ويمكن أن تكون أسواقاً مفتوحة لمنتجاتهم . فكان الشرق الإسلامي والدول الأفريقية والآسيوية هي هذه البلاد فنشطوا في استكشافاتهم الجغرافية ودراساتهم الاجتماعية واللغوية والثقافية وغيرها. وهناك من يرى أن الهدف الاقتصادي كان هو الأساس في الاستشراق وقد استغل الدين والتنصير لتحقيق الأهداف الاقتصادية.()

ولم يتوقف الهدف الاقتصادي عند بدايات الاستشراق فإن هذا الهدف ما زال أحد أهم الأهداف لاستمرار الدراسات الاستشراقية . فمصانعهم ما تزال تنتج أكثر من حاجة أسواقهم المحـلية كما أنهم ما زالوا بحاجة إلى المواد الخام المتوفرة في العالم الإسلامي.() ولذلك فإن بعض أشهر البنوك الغربية(لويد وبنك سويسرا) تصدر تقارير شهرية هي في ظاهرها تقارير اقتصادية ولكنها في حقيقتها دراسات استشراقية متكاملة حيث يقدم التقرير دراسة عن الأحوال الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية للبلاد العربية الإسلامية ليتعرف أرباب الاقتصاد والسياسة على الكيفية التي يتعاملون بها مع العـالم الإسلامي. ومن الطريف أن شركة الخطوط الهولندية تقدم لكبار موظفيها الذين يتفاوضون مع الشركات العربية الإسلامية دراسات من هذا النوع حتى يتعرفوا إلى العقليات التي يتفاوضون معها وإلى خلفياتهم الاجتماعية والدينية والثقافية كما عرفت هذا من خلال عملي في الخطوط السعودية وزيارتي لمقر الشركة في أمستردام بهولندا.

4- الهدف السياسي الاستغلالي التوسعي.(الاستعماري)

لقد خدم الاستشراق الأهداف السياسية التوسعية للدول الغربية فقد سار المستشرقون في ركاب الاحتلال وهم كما أطلق عليهم الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله- " حملة هموم الشمال المسيحي- فقدموا معلومات موسعة ومفصلة عن الدول التي رغبت الدول الغربية في استعمـارها والاستيلاء على ثرواتها وخيراتها. وقد اختلط الأمر في وقت من الأوقات بين المحتلوالمستشرق فقد كان كثير من موظفي الاحتلال على دراية بالشرق لغة وتاريخاً وسياسة واقتصـاداً . وقد أصدر – على سبيل المثال- مستشرق بريطاني كتاباً من أربعة عشر مجلداً بعنوان: (دليل الخليج: الجغرافي والتاريخي) وكان موظف الحكومات المحتلة لا يحصل على الوظيفة في إدارة الاحتلال ما لم يكن على دراية بالمنطقة التي سيعمل بها.()

واستمر الارتباط بين الدراسات العربية الإسلامية وبين الحكومات الغربية حتى يومنا هذا بالرغـم من أنه قد يوجد عدد محدد جداً من الباحثين الغربيين دفعهم حب العلم لدراسة الشرق أو العالم الإسلامي. ومن الأدلة على هذا الارتباط أن تأسيس مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجـامعة لندن قد أُسّسَت بناء على اقتراح من أحد النواب في البرلمان البريطاني.() وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية رأت الحكومة البريطانية أن نفوذها في العالم الإسلامي بدأ ينحسر فكان لا بد من الاهتمام بالدراسات العربية الإسلامية فكلفت الحكومة البريطانية لجنة حكومية برئاسة الإيرل سكاربورو Scarbrough لدراسة أوضاع الدراسات العربية الإسلامية في الجامعات البريطانية. ووضعت اللجنة تقريرها حول هذه الدراسات وقدمت فيه مقترحاتها لتطوير هذه الدراسات واستمرارها().

وفي عام 1961 كونت الحكومة البريطانية لجنة أخرى برئاسة السير وليام هايترSir William Hayter لدراسة هذا المجال المعرفي ، وقامت اللجنة باستجواب عدد كبير من المتخصصين في هذا المجال ، كما زارت أقسام الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات البريطانية وفي عشر جامعات أمـريكية وجامعتين كنديتين . وكانت زيارتها للولايات المتحدة بقصد التعرف على التطورات التي أحدثها الأمريكيون في هذا المجال ، وكان ذلك بتموين من مؤسستي روكفللر و فورد .()

ومما يؤكد ارتباط الدراسات العربية الإسلامية بالأهداف السياسية الاحتلالية ( رغم انحسار الاحتلال العسكري) أن الحكومة الأمريكية موّلت عدداً من المراكز للدراسات العربية الإسلامية في العديد من الجامعات الأمريكية ، وما زالت تمول بعضها إما تمويلاً كاملاً أو تمويلاً جزئياً وفقا لمدى ارتباط الدراسة بأهداف الحكومة الأمريكية وسياستها.()

كما يستضيف الكونجرس وبخاصة لجنة الشؤون الخارجية أساتذة الجامعات والباحثين المتخصصين في الدراسات العربية الإسلامية لتقديم نتائج بحوثهم وإلقاء محاضرات على أعضاء اللجنة ، كما ينشر الكونجرس هذه المحاضرات والاستجوابات نشراً محدوداً لفائدة رجال السياسة الأمريكيين.()

الهدف الثقافي:

من أبرز أهداف الاستشراق نشر الثقافة الغربية انطلاقاً من النظرة الاستعلائية التي ينظر بها إلى الشعوب الأخرى . ومن أبرز المجالات الثقافية نشر اللغات الأوروبية ومحاربة اللغة العربية. وصبغ البلاد العربية والإسلامية بالطابع الثقافي الغربي. وقد نشط الاستشراق في هذا المجال أيما نشاط. فأسس المعاهد العلمية والتنصيرية في أنحاء العالم الإسلامي وسعى إلى نشر ثقافته وفكره من خلال هؤلاء التلاميذ. وقد فكّر نابليون في ذلك حينما طلب من خليفته على مصر أن يبعث إليه بخمسمائة من المشايخ ورؤساء القبائل ليعيشوا فترة من الزمن في فرنسا ،"يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة (الفرنسية) ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولمّا يعودون إلى مصر، يكون لنا منهم حزب يضم إليه غيرهم." ()ولم يتم لنابليون ذلك ولكن لمّا جاء محمد علي أرسل بعثة من أبناء مصر النابهين يقودهم رفاعة رافع الطهطاوي، وقد قال محمود شاكر إن هؤلاء " يكونون أشد استجابة على اعتياد لغة فرنسا وتقاليدها فإذا عادوا إلى مصر كانوا حزباً لفرنسا وعلى مر الأيام يكبرون ويتولون المناصب صغيرها وكبيرها ، ويكون أثرهم أشد تأثيراً في بناء جماهير كثيرة تبث الأفكار التي يتلقونها في صميم شعب دار الإسلام في مصر.." ()

وقد حرص الغرب على الغزو الثقافي من خلال التغريب الفكري بعدة طرق ذكرها السيد محمد الشاهد فيما يأتي:

  1.  
  2. " التعليم من حيث المنهج ومن حيث المادة العلمية …
  3.  
  4. وفي مجال الإعلام : تُسْتَغل كل وسائل الإعلام المتاحة وخاصة أفلام السينما والتلفاز (تأثير غير مباشر."()

وظهر الهدف الثقافي من خلال الدعوة إلى العامية وإلى محاربة الفصحى والحداثة في الأدب والفكر حيث نادى البعض بتحطيم السائد والموروث وتفجير اللغة وغير ذلك من الدعوات. وقد بلغ من ثقتهم بأنفسهم في هذا المجال أن كتب أحدهم يتوقع أن لا يمر وقت طويل حتى تستبدل مصر باللغة العربية اللغة الفرنسية كما فعلت دول شمال أفريقيا.()

آثار الدراسات الاستشراقية:

قدّم الاستشراق خدمات كبيرة للغرب النصراني في خدمة أهدافه التي قام من أجلها من أهـداف دينية وسياسية واقتصادية واستعمارية وثقافية .وحتى عندما استغنى الغرب عن مصطلح الاستشراق وأنشأ أقسام دراسات الشرق الأوسط أو الشرق الأدنى أو مراكز البحوث المختلفة فما زالت الأهداف القديمة موجودة. ولكنه في الوقت نفسه أثر تأثيرات سلبية في العالم الإسلامي في المجالات العقدية، والتشريعية ، والسياسية ، والاقتصادية والثقافية.

وفيما يأتي أبرز هذه الآثار :

الآثار العقدية:

من أبرز الآثار العقدية للاستشراق في العالم الإسلامي ظهور تيار من المفكرين والعلماء والسياسيين وحتى الناس العاديين أو العامة الذين نادوا بفصل الدين عن الحياة أو ما يطلق عليه العلمانية. فالعقيدة الإسلامية تربط كل مجالات الحياة بالإيمان بالله عز وجل وبالتصور العام الذي جاء به الإسلام للخالق سبحانه وتعالى والكون والإنسان. فلمّا كانت أوروبا قد وجدت الديانة النصرانية الـمحرفة تعيق تقدمها ونهضتها ظهر فيها التيار الذي أطلق عليه التنوير منادياً بفصل الدين عن الحياة أو قصر الدين على الشعائر التعبدية والعلاقة بين الله والإنسان. أما شؤون الحياة الأخرى من سياسة واقتصاد واجتماع فلا علاقة للدين به. ونظراً لأن أوروبا لم تعرف النصرانية الحقيقية أو الدين الذي جاء به عيسى عليه السلام بما أحدثه بولس فيها من تحريفات فإن ما ينطبق على أوروبا لا يمكن أن ينطبق على الإسلام.

ونهضت أوروبا نهضتها بمحاربة الدين والكنيسة ، وبلغت الذروة في هذه الحرب في الثورة الفرنسية. وقد أثر الاستشراق في هذا المجال عن طريق البعثات العلمية التي انطلقت من العالم الإسلامي إلى فرنسا كما يقول الشيخ محمد الصبّاغ:" إنّ إفساد الطلبة المبعوثين لم يكن ليتحقق في بـلد من البلاد الأوروبية كما كان يمكن أن يتحقق في فرنسا التي خرجت من الثورة الفرنسية وهي تسبح في بحور من الفوضى الخلقية والفكرية والاجتماعية …من أجل ذلك كانت فرنسا محل البعثـات."() فانطلقت هذه البعثات من تركيا ومن مصر ومن إيران ومن المغرب. وكانت هذه البعثـات تحت إشراف مستشرقين فرنسيين؛ فمثلاً كانت البعثة المصرية تحت إشراف جونار. ويقول أحد المستشرقين عن البعثات الأولى أنها كانت لدراسة الهندسة والفنون الحربية، ولكن المعلمين الفرنسيين كانوا حريصين على أن ينقلوا إلى الطلاب المسلمين الآداب الفرنسية والثقافة الفرنسية() .

ومن تأثير الاستشراق في المجال العقدي الاهتمام المبالغ فيه بالصوفية وبخاصة تلك التي ابتعدت عن الكتاب والسنّة فتجدهم يجعلون لابن عربي مكانة خاصة في النشاطات الاستشراقية ، ويجذبون أبناء المسلمين لمثل هذه الاهتمامات. كما أن من اهتمامات الاستشراق التي تدعو إلى الشكوك في نياتهم الاهتمام بالفرق المنحرفة كالرافضة والإسماعيلية وغيرها من الفرق، فيعطونها من وقتهم ومن دراساتهم ما تجعل الغريب عن الإسلام يظن أن هذا هو الإسلام.

وقد حرص الاستشراق والتنصير على إنشاء المدارس والجامعات الغربية في العالم الإسلامي، فمن ذلك الكلية الإنجيلية التي تحولت إلى الجامعة الأمريكية التي لها فروع في كل من القاهرة وبيروت واسطنبول ودبي .بالإضافة إلى كلية فيكتوريا ( مدرسة ثانوية، وقد أصبحت منذ أكثر من عشرين سنة تضم المراحل الدراسية كلها)) والكلية الأمريكية في بيروت ( مدرسة ثانوية) وقد زعم كرومر Cromer في احتفال بمدرسة فيكتوريا بأن الهدف من هذه المدرسة وشبيهاتها تنشئة أجيال من أبناء المسلمين يكونون جسراً بين الثقافة الغربية ومواطنيهم المسلمين . ولعلهـا عبارة ملطّفة لتكوين جيل ممسوخ لا يعرف ثقافته ولا عقيدته.() وقد وصف الشيخ سعيد الزاهري التلاميذ الجزائريين الذين درسوا في المدارس الفرنسية في الجزائر -أطلق عليها خداعاً المـدارس العربية- بأنهم لا يصلون ولا يصومون ولا يتحدثون اللغة العربية فيما بينهم ، ولا يؤمنون بأن القرآن الكريم وحي من الله …"()

الآثار الاجتماعية:

تعد الآثار الاجتماعية من أخطر الآثار التي ما زال الاستشراق حريصاً على تحقيقها في العالم الإسلامي. فقد اهتم المستشرقون بدراسة المجتمعات الإسلامية ومعرفتها معرفة وثيقة حتى يمكنهم أن يؤثروا فيها بنجاح. وإن دوافعهم لهذا تنطلق من النظرة الاستعلائية الغربية بأن المجتمعات الغـربية وما ساد فيها من فلسفات ونظريات هي المجتمعات الأرقى في العالم. وقد تمكن الاحتلال بالتعاون مع الاستشراق في إحداث تغيرات اجتماعية كبيرة في البلاد التي وقعت تحت الاحتلال الغربي. ففي الجزائر مثلاً حطم الاستعمار الملكيات الجماعية أو المشاعة للأرض وذلك لتمزيق شمل القبائل التي كانت تعيش في جو من الانسجام والوئام.()

وقد تعاون الاستشراق والاحتلال على إحداث النـزاعات بين أبناء البلاد الإسلامية بتشجيع النزعات الانفصالية، كما حدث في المغرب العربي أيضاً بتقسيم الشعب المغربي إلى عرب وبربر، والتركيز على فرنسة البربر وتعليمهم اللغة الفرنسية ونشر الحملات التنصيرية في ديارهم. وقد أنشأت الحكومة الفرنسية الأكاديمية البربرية في فرنسا لتشجيع هذه النـزعة.

ومن الجوانب الاجتماعية التي عمل فيها الاستشراق على التأثير في المجتمعات الإسلامية البنية الاجتماعية وبناء الأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات الإسلامية. فقد اهتم الاستشراق بتشويه مكانة المرأة في الإسلام، ونشر المزاعم عن اضطهاد الإسلام للمرأة وشجع الدعوات إلى التحرير المزعوم للمرأة التي ظهرت في كتابات قاسم أمين والطاهر الحداد ونوال السعداوي وهدى الشعراوي وغيرهم.()

ويرى الدكتور محمد خليفة أن موقف الاستشراق من المرأة المسلمة نابع من وقوعه "تحت تـأثير وضع المرأة الغربية أنها نموذج يجب أن يحتذى به، وان ما حققته من مساواة –في نظرهم- وحقوق يجب أن يتسع ليشمل المرأة المسلمة والمرأة الشرقية العامة. …ويضيف خليفة بأن الاستشراق يسعى " إلى تقويض وضع المرأة المسلمة داخل الأسرة على التمرد على النظام والخروج باسم الحرية وتصوير وضع المرأة المسلمة تصويراً مزيفاً لا يعكس الحقيقة."()

وقد أنشئت رابطة دراسات المرأة في الشرق الأوسط ضمن تنظيم رابطة دراسات الشرق الأوسط الأمريكية وهي التي تهتم بأوضاع المرأة المسلمة وتشجع اتجاهات التغريب من خلال مجلتها ربع السنوية واجتماعاتها في إطار المؤتمر السنوي لرابطة دراسات الشرق الأوسط وذلك بدعوة الباحثات المسلمات اللاتي يتبنين الأفكار الغربية من أمثال نوال السعداوي ، وفاطمة المرنيسي وحنان الشيخ وغيرهن، ومن خلال تنظيم الندوات حول وضع المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية.

و يقوم الاستشراق الإعلامي بدور بارز في الترويج للفكر الغربي في مجال المرأة ومن ذلك الصحافة الغربية والإذاعات الموجهة. فمن الكتب التي قدمت هيئة الإذاعة البريطانية عروضاً لها كتـاب ( ثمن الشرف) للكاتبة البريطانية الأصل جان جودونJan Goodwin التي تناولت فيه دراسة أوضاع المرأة في خمس دول إسـلامية هي الباكستان وأفغانستان والكويت ومصر والمملكة العربية السعودية. وقد خلطت الكاتبة فيه بين موقف الإسلام من المرأة وبعض التطبيقات الخاطئة في هذه الدول . ومن المعروف أن الإسلام حَكَمٌ على أهله وليس سلوك المسلمين حجة على الإسلام.

وقد قدمت إذاعة لندن في شهر جمادى الأولى تقريراً عن ندوة تعقد في إحدى الدول العـربية حول موضوع المرأة وقدمت تصريحاً لمسؤول في تلك الدولة يزعم فيه أن بلاده وتركيا همـا الدولتان الوحيدتان اللتان أصدرتا قوانين تحرّم تعدد الزوجات وتعطي المرأة كثيراً من الحقـوق لمساواتها بالرجل. وإن التوازن في عرض وجهات النظر يقتضي أن تقدم الإذاعة من يتناول وجهة النظر الأخرى لمثل هذه التصريحات. وكانت الإذاعة قد قدمت تقريراً عن مؤتمر عقد في قطر للمرأة المسلمة وعرضت أخبار هذه الندوة بكثير من السخرية ومن ذلك وصفها لانتقال النساء في حافلات ذات ستائر غامقة اللون حتى لا يراهن أحد، بالإضافة إلى عبارات أخرى مليئة بالاستهزاء من موقف الإسلام من المرأة.

الآثار السياسية والاقتصادية:

يزعم الغربيون أن الديموقراطية الغربية هي أفضل نظام توصل إليه البشر حتى الآن ، ولذلك فهـم يسعون إلى أن يسود هذا النظام العالم أجمع، ومن بين الدول التي يريدون لنظامهم أن يسودها البلاد الإسلامية . وقد سعوا إلى هذا من خلال عدة سبل وأبرزها هو انتقاد النظام السياسي الإسـلامي. وقد ظهرت كتب كثيرة عن نظام الخلافة الإسلامي وافتروا على الخلفاء الراشدين بزعمهم أن وصول الصديق وعمر بن الخطاب ( رضي الله عنهما ) إلى الخلافة كان نتيجة لمؤامرة بين الاثنين.() وكـتب مستشرقون آخرون زاعمين أن النظام السياسي الإسلامي نظام قائم على الاستبداد وفرض الخضوع والمذلة على الشعوب الإسلامية. () بل بالغ لويس في جعل النظام السياسي الإسلامي يشبه النظام الشيوعي في استبداده وطغيانه.()

وقد تأثرت بعض الدول العربية التي خضعت للاحتلال الغربي بالفكر السياسي الغربي بأن قامت باستيراد النظام البرلماني دون أن يتم إعداد الشعوب العربية لمثل هذه الأنظمة فكانت كما قال أحد المستشرقين بأن العرب استوردوا برلمانات معلبّة دون ورقة التعليمات.() وما زالت هـذه البرلمانات في البلاد العربية يتحكم فيها الحزب الحاكم الذي لا بد أن يفوز بأغلبية المقاعد بأية طريقة كانت. ومع ذلك فما زال الغرب حريص على نشر الديموقراطية وقد كانت تصريحات الساسة الغربيين بأن (حرب الخليج الثانية) ستكون مناسبة لفرض الديموقراطية في العالم العربي وستكون البداية في الكويت.()

ومن الحقائق المثيرة للانتباه أن تركيا ( كما رأينا) كانت من أقدم الدول الإسلامية تغرباً وتطبيقاً للنظام الديموقراطي ولكن عندما وصل الإسلاميون للحكم وانقلب السحر على الساحر- كما يقال- قلبت الدول الغربية لنظامهم الديموقراطي ظهر المجن وسعوا إلى تأييد العسكر في كبت الحريات ومصادرة الديموقراطية.ويمكن أن يضاف إلى هذا ما حدث في الجزائر حيث كاد الإسلاميون (جبهة الإنقاذ) أن تصل إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع والديموقراطية بأسلوبها الغربي ولكن تكالبت الدول الغربية وغيرها على إجهاض هذه التجربة وحرمان الإسلاميين من حقهم في الوصول إلى الحكم.

أما في المجال الاقتصادي فإن الغرب سعى إلى نشر الفكر الاقتصادي الغربي الاشتراكي والرأسمـالي وذلك بمحاربة النظام الاقتصادي الإسلامي وكما يقول محمد خليفة: " إنّ المستشرقين في سعيهم للترويج للفكر الاقتصادي الغربي قاموا ب "إعادة تفسير التاريخ الاقتصادي الإسلامي من وجهة نظر الرأسمالية والشيوعية كنوع من التأصيل للنظريتين وتقديمهما على أنهما لا يمثلان خروجاً عن النظام الاقتصادي الإسلامي ."()

وكان من نتائج الترويج للاشتراكية والرأسمالية في العالم الإسلامي أن انقسم العالم الإسلامي على نفسه فأصبح قسم منه يدور في الفلك الشيوعي والقسم الآخر في الفلك الرأسمالي . ولعل من طرائف المواقف الاستشراقية أن تسعى الدول الغربية إلى بث النظام الاشتراكي في بعض الدول العربية - كما أشار الأستاذ محمد قطب في كتابه القيم ( واقعنا المعاصر) - بتدريس الاقتصاد الاشتراكي والترويج بأن التنمية الحقيقية في العالم العربي تتطلب تأميم وسائل الإنتاج، وأن الحرية الاقتصادية الغربية لا تناسب مراحل التنمية الأولى.() ولا شك أن سعيهم إلى بث هذا الفكر أن يبعدوا الإسلام عن العودة إلى حياة المسلمين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

وكان من تأثير الاستشراق أيضاً تشجيع الصناعة في البلاد الإسلامية دون الاستعداد الكافي لها ، وإهمال قطاع الزراعة فقد اقتنع العالم العربي بأن النهضة الحقيقية إنما تكون في الصناعة، ولذلك أهملت الزراعة إهمالاً شبه كلي، مع أن نهضة الغرب الصناعية بدأت بالاهتمام بالزراعة وما زال الغرب يسيطر على إنتاج الحبوب والمواد الغذائية الأساسية في العالم. ومن الأمثلة على هذا ما حدث في مصر في عهد الرئيس عبد الناصر حيث تم التوسع في مشروعات صناعية (خيالية) مع إهمال شبه تام للزراعة حتى أصبحت البلاد عالة على الدقيق الأمريكي والأسترالي وغيرهما. وقد حدث مثل هذا في الجزائر. وإن كنّا في الحقيقة لم نتقدم لا في الزراعة ولا في الصناعة.

الآثار الثقافية والفكرية.

حقق الاستشراق نجاحاً كبيراً في التأثير في الحياة الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي فبعد أن كـان القرآن الكريم والسنّة المطهرة وتراث علماء الأمة الذين فهموا هذين المصدرين فهماً جيـداً وعاش المسلمون على هدي من هذه المصادر في جميع مجالات الحياة أصبحت المصادر الغربية تدخل في التكـوين الفكري والثقافي لهذه الأمة سواء أكان في نظرتها لكتاب ربها سبحانه وتعالى ولسنة نبيها أو للفقه أو للعلوم الشرعية الأخرى.أو في منهجية فهم هذه المصادر ومنهجية التعامل معها كما أثر الفكر الغربي في المجالات الفكرية الأخرى كالتاريخ أو علم الاجتماع أو علم النفس أو علم الإنسان أو غيره من العلوم.

وقد استطاع الاستشراق تحقيق هذا النجاح بما توفر له من السيطرة على منابر الرأي في العـالم الإسلامي فقد أنشأ الغرب العديد من المدارس كما أن العديد من أبناء الأمة الإسلامية تلقوا تعليمهم على أيدي المستشرقين في الجامعات الغربية ( الأوروبية والأمريكية ). ولمّا كانت بعض البلاد العربية والإسلامية خاضعة للاحتلال الأجنبي فقد مكّن لهؤلاء الذين تعلموا في مـدارسه. فما زالت الصلة قوية فيما بين الطلبة الذين تخرجوا في كلية فيكتوريا بعد أن تسلم كثير منهم مناصب حساّسة في بلادهم.

ومن المنابر التي استطاع الغرب أن ينشر من خلالها الثقافة والفكر الغربيين وسائل الإعلام المختلفة من صحـافة وإذاعة وتلفاز ونشر بأشكاله المتعددة. فقد أنشئت الصحف والمجلات التي تولى رئـاسة تحريرها أو عملية الكتابة فيها كثير من الذين تشبعوا بالثقافة الغربية. وقد بذلوا جهوداً كبيرة للرفع من شأن تلاميذهم فهذا يطلق عليه ( عميد الأدب العربي) وآخر يطلق عليه (أستاذ الجيل) وثالث يطلق عليه ( الزعيم الوطني)() ومن هذه الصحف الأهرام ومجلات المقتطف وغيرهما من الصحف والمجلات. كما أنشؤوا المسارح والسينما ، وأدخلوا إلى حياة الشعوب العربية الإسلامية فنون اللهو غير المباح من مراقص وغناء وغير ذلك.

وكان للاستشراق دوره في مجال الأدب شعراً ونثراً وقصة . فقد استغلت هذه الوسائل في نشر الفكر الغربي العلماني وبخاصة عن طريق ما سمي (الحداثة) التي تدعو إلى تحطيم السائد والموروث، وتفجير اللغة وتجاوز المقدس ونقد النصوص المقدسة. وقد استولى هؤلاء على العديد من المنابر العامة ولم يتيحوا لأحد سواهم أن يقدم وجهة نظر تخالفهم وإلاّ نعتوه بالتخلف والرجعية والتقليدية وغير ذلك من النعوت الجاهزة.

وقد انتشرت في البلاد العربية الإسلامية المذاهب الفكرية الغربية في جميع مجالات الحياة: في السياسة والاقتصاد، وفي الأدب وفي الاجتماع . ففي السياسة ظهر من ينادي بالديموقراطية ويحارب الإسلام وفي الاقتصاد ظهر من تبنى الفكر الشيوعي والاشتراكي وفي الأدب ظهر من نادى بالنظريات الغربية في دراسة اللغة وفي الأدب وفي النقد الأدبي؟ وأخذ كثيرون بالنظريات الغربية في علم الاجتماع وفي التاريخ وفي علم النفس وفي علم الإنسان وغير ذلك من العلوم.()


نهاية الجزء الاول من الموسوعة ويتبع الجزء الثانى