|
الإستشراق بسم الله الرحمن الرحيم الاستشراق والعلوم الاسلامية أوجزت لكم فيما سبق أبرز المجالات التي اهتمت بها الدراسات الاستشراقية ، وفي هذه الوريقات بعض التفصيل لهذه المجالات لأننا نتعرض فيما نقرأ أو نسمع لبعض هذه الشبهات والافتراءات .وقد لاتكون الردود شافية تماما لكني سأضيف قائمة مختارة بإذن الله في خاتمة كل موضوع للرجوع إليها لمن أراد الاستزادة ، والله الموفق. القرآن الكريم : يعود اهتمام المستشرقين بالقرآن الكريم لأنه الكتاب المقدس عند المسلمين فهو حسب تعريف العلماء المسلمين ( كتاب الله المعجزالمنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ،المكتوب في المصاحف ،المنقول بالتواتر ،المتعبد بتلاوته.)()وقد حفظه الله عز وجل كما جاء في قوله تعالى{ إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون}() فإذا ما نجحوا -بزعمهم -في هذه الناحية كان النجاح في غيرها أكثر سهولة. وسنتناول اهتمام المستشرقين بالقرآن الكريم من عدة نواحي: أولاً" ترجمة معاني القرآن الكريم الى اللغات الأوروبية ثانيا:مصادر القرآن الكريم ثالثاً: الوحي. رابعا: جمع القرآن وترتيبه وكتابته. خامساً: نقد النص القرآني ظهرت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم في القرن الثاني عشر ، وقد تمت بتوجيه من "بطرس المبجل" رئيس دير كلوني ، وقام بها عالم انجليزي هو روبرت الكيتوني Robert of Ketton وساعده ألماني اسمه هرمانوس وراهب اسباني مجهول. وقد تضمنت الترجمة شروحات وتعليقات وردود وملاحظات . وكان القصد من الترجمة ليس معرفة ما يقوله القرآن الكريم بقدر ما كان القصد منها تفنيد مافيه-بزعمهم- والرد عليه وتنفير النصارى من الاسلام.() وظهرت ترجمات أخرى إلى اللاتينية من بينها ترجمة الألماني جوستاف فلوجيل Gustav Flugel وهو الذي وضع أول معجم لألفاظ القرآن الكريم.() وتوالى ظهور ترجمات لمعاني القرآن باللغات الأوروبية المعاصرة ،فقد ترجمه الىالألمانية شفيجر Schweigger سنة 1616 وترجمه أيضا بويزن سنة 1773 وروكارت سنة 1888 ومن الترجمات الى اللغة الألمانية الحديثة ترجمة رودي بارت ،وقد سلك مسلك من سبقه من المستشرقين بإضافة تعليقاته وشروحاته في أثناء النص زاعما ان ذلك ضروري لشرح ما رآه غامضا او شرح ما ذكر تلميحا وقد يفوت علىالقارىء فهمه.() وقام فرنسيون أيضا بترجمته الى لغتهم ومن هؤلاء دورييهDeryer سنة 1647 وسافاري سنة 1783 وبلاشير Blachere سنة 1947 .وظهرت ترجمة حديثةجدا للمستشرق جاك بيرك عام 1993.() أما الترجمات باللغة الانجليزية فمن أبرزها ترجمة روس Ross سنة 1648 وترجمة جورج سيل George Sale سنة 1743 والتي اشتهرت بمقدمتها التي تضمنت كثيراً من المفتريات على القرآن الكريم .وقام بترجمته مستشرق آخر هو بالمر Palmer سنة 1861 . ومن الترجمات الحديثة ترجمة بكتل وترجمة آربري .وقد ترجمه مسلمون بالأسلوب الاستشراقي وهم أحمد علي وترجمة عبد الله يوسف -وهو قادياني-.() المستشرقون ومصادر القرآن الكريم. لا تكاد شبهات المستشرقين قديماً أو حديثاً تخرج كثيراً عن الشبهات التي أثارها كفار قريش سوى أن المستشرقين قدموا شبهاتهم بطريقة أكثر تفصيلاً ، وصبغوها بالصبغة العلمية الأكاديمية، وانطلت هذه الشبهات على الأوروبيين ،وغيرهم من الشعوب التي تخضع للفكر الأوروبي ، كما انطلت على بعض المسلمين الذين لم يتحصنوا بالعلوم الاسلامية ، ويخاصة اولئك الذين تلقوا دراساتهم في المدارس الأجنبية،او الذين خدعتهم الصبغة العلمية المفتعلة لدراسات المستشرقين. وأول مفترياتهم هي أن القرأن مستمد من المصادراليهودية والنصرانية ، ويستدلون على ذلك بالقصص القرآني زاعمين ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذها عن التوراة. ويمكن الرد على هذه الفرية من ثلاثة جوانب : أولا: ان وحدة المصدر تجعل من الممكن وجود تشابه القصص القرآني مع القصص التوراتي . وثانيا:إن المقارنة بين القصص القرآني والقصص في الكتب السابقة توضح مدى التحريف الذي تعرضت له الكتب السابقة ، فهم يرمون القرآن بالأخذ منهم حتى يداروا ما بكتبهم من تحريف. فالقصص المذكورة في الكتب السابقة يطغى عليها الجانب المادي والصنعة البشرية التي تهتم ببعض التفاصيل والجزئيات التي لا تظهر في القصص القرآني.كما إن كتابة هذه القصص في الكتب السابقة تحوي صوراً فاحشة لايليق أن يكون مثلها في الكتب المقدسةز وقد قارن مالك بن نبي رحمه الله بين قصة يوسف عليه السلام كما جاءت في القرآن الكريم وكما جاءت في التوراة ،وأعد لذلك جدولاً يوضح الفروق . ومن الأمثلة على الكتابة الفاحشة ما جاء في "نشيد الانشاد " فهذه لا تتعدى كونها قصة غرامية فاضحة. وعنوانها باللغة الانجليزية(The Song of Songs ) .أما الأمر الثالث فهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولايكتب ، ولم يثبت له صلة باليهود أو النصارى في مكة قبل البعثة فكيف يتأتي له أن يأخذ منهم .فقد ورد في القرآن الكريم الرد على هذه المزاعم حين زعم كفار قريش أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلمه غلام نصراني وهو قوله تعالى( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) وزعموا أيضا ان الرسول صلىالله عيه وسلم اخذ عن الأحناف . وقد كان هؤلاء بضعة نفر من العرب أدركوا ما عليه قومهم من ضلال وانحراف فبحثوا عن الهداية في اليهودية والنصرانية فلم يجدوا فيهما ما يشفي الغليل ،وبذلك فقد اطلعوا على الكتب المقدسة لدى الديانتين .ويكون الرد على هذه الشبهات ان الأحناف لم يكونوا يملكون تصوراً واضحا في العقيدة ليدعوا قومهم اليه ، كما إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتك بهم لدرجة التتلمذ عليهم والأخذ منهم ، ولو صح هذا لدى قريش لاتخذته ذريعة لعدم اتباعهولما سكتوا عنه. ومن هؤلاء الأحناف ورقة بن نوفل ابن عم السيدة خديجة رضي الله عنها الذي صحبت السيدة خديجة رضي الله عنها الرسول صلى الله عليه وسلم إليه عندما جاءه الوحي وما أصابه من خوف شديد فطمأنه بأن هذا هو الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء قبله. ولم تذكر المصادر كم عاش ورقة بعد هذه الحادثة ، ولا يكفي مثل هذا اللقاء الذي وقع بعد نزول الوحي للتعلم والدراسة. ويحلو للمستشرقين ايراد قصة لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالراهب بحيرى عندما كان طفلا مصاحبا لعمه في رحلته الى الشام ، وما كان من امر الراهب من تحذير ابي طالب بأن يحرص على ابن أخيه فإنه سيكون له شأن ويذكرون لقاءً ثانياً(لم يثبت) عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم شابا مسافراً في تجارة لخديجة رضي اله عنها. فهل كان هذا اللقاءان مهما كان طولهما كافيين ليتعلم الرسول صلى الله عليه وسلم منه العقيدة الاسلامية والتشريعات. ومع ذلك فقد تأثر بهذه الشبهات بعض الباحثين من المسلمين مثل الدكتور حسن ابراهيم حسن في كتابه( تاريخ الاسلام السياسي)حيث زعم أن الشريعات التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة كانت مما تعلمه في رحلته الى الشام. وزعم المستشرقون أن الأعراف والتقاليد والممارسات الجاهلية عند العرب كانت من مصادر القرآن الكريم ،ويحتجون لذلك بإبقاء الإسلام على بعض هذه التشريعات أو الممارسات التي كانت معروفة في أمور كالبيع والرهن والاجارة وفي النواحي الاجتماعية كالزواج وغيرها.ويمكن الرد على هذه الشبهة بان بعض هذه الأعمال كان لها اصل من شريعة ابراهيم عليه السلام كالطواف والحج والعمرة وغن شابه بعض التحريفات الجاهلية. ويقول ساسي سالم الحاج في الرد على هذه الشبهات:" و لايضير الرسول (صلى الله عليه وسلم ) الابقاء على القوانين الصالحة سواء تلك المنظمة للعبادات او المعاملات طالما كانت هذه الأحكام تتناسب وفلسفة التشريع الاسلامي لتحقيق مقاصده التي انزل من أجلها ، ولا يمكن أن نستنتج من الابقاء عليها تأثر الرسول (صلى الله عليه وسلم ) باعتبارها أموراً استمدها من بيئته ولم يوح بها الله في محكم كتابه. ولو كان الأمر خلاف ذلك لأبقى على سائر القوانين بالأعراف الجاهلية0000 ولكن التشريع يراعي دوما مصالح الناس والعباد التي شرعت الأحكام لمصلحتهم فتبقى الأحكام الصالحة، وتبطل الأحكام الفاسدة لتعارضها ومصلحة الجماعة."(الظاهرة الاستشراقية1/2 ص326-327) الوحي: نالت مسألة الوحي اهتماما كبيرا من المستشرقين سواءً اليهود او النصارى ، وحاولوا بشتى الوسائل الطعن في الاسلام من خلال هذه الأمر بمحاولة تفسير الوحي الذي نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشتى التفسيرات المادية والعقلانية. ومن العجيب ان بعضهم يؤمن بالوحي الذي نزل على الأنبياء السابقين وعندما يتعلق الأمر بالرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم يكفرون. والوحي من الأمور الاعتقادية " التي لا تخضع لمناهج المستشرقين المتصفة بالمادية ، ولا تعترف بالقضايا الغيبية.ولا نستطيع إثباتها عن طريق العقل والحواس وحدهما ولكن علينا الايمان بها." ولذلك كان من أول صفات المؤمنين كما جاء في بداية سورة البقرة قوله تعالى{ ذلك الكتاب هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} وليس الحديث هنا عن إيماننا بالوحي أو بالصورة التي كان يجيء فيها للرسول صلى الله عليه وسلم فهذا مبسوط في مظانه من كتب العقيدة والحديث.ولكننا نريد أن ننقل بعض الأوصاف التي ألصقها المستشرقون بالوحي الذي نزل على نبينامحمد صلى الله عليه وسلم . ومن أبرز هذه الشبهات زعمهم ان الوحي يشبه الصرع الذي يصيب الانسان ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين يجيئه الوحي يصاب به فيعتريه احتقان فغطيط فغثيان كما جاء في كتاب جوستاف لوبون (حضارة العرب) وقد كتب مونتجمري وات يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كان من الذين يتمتعون بما سمّاه " الخيال الخلاق" وحاول الرجوع لعلم النفس لشرح هذا المصطلح بإرجاعه الى اللاشعور أو الوعي الجمعي وغيره من المصطلحات الغامضة التي تبعده عن تفسير الوحي التفسير المعقول. وكتب مكسيم رودنسون عن الوحي ، واعتذر من البداية أن ماسيقوله سيؤذي قرّاءَه من المسلمين ولكنه رجل ملحد وليسمع المسلمون ما يقوله .وبعد أن استعرض ما جاء في كتابات المسلمين عن الوحي ثم ما قاله الأوروبيون كذلك ابتدع تفسيراً رآه جديداً وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رجلا زاهداً في حياته كلها ، وأن هذا الزهد والتسامي هو الذي قاده الى هذه الأفكار التي جاءته وقال بأنها هي الوحي.وهذا وصف رودنسون :" ومن خلال حياة الزهد الرافضة لكل ألوان الملذات والآخذة بأسباب التعبد والصلاة الطويلة والتبتل فأخذ يتراءى له الكشف المصحوب بالأصوات المسموعة وهذه المظاهر الصوتية والمرئية نجدها أيضا لدى المصابين بالأمراض العقلية كالهستيريا وانفصام الشخصية000" والرد على هذه الافتراءات نذكر ما قاله محمد رشيد رضا بأن الذي يصاب بالصرع حقيقة يفقد وعيه فإذا أفاق لايذكر من تلك الفترة شيئا،ولكن الوحي الذي كان يجيء نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم لا يذهب حتى يكون قد وعى وحفظ ما أوحي اليه به.ويضيف رشيد رضا بان المصاب بالصرع لا يمكن ان يأتي بدين ورسالة الى العالم. ثم إن الوحي لم يكن دائما بالصورة التي تشبه الغيبوبة بل كان يأتي في الواقع كثيرا والرسول صلى الله عليه وسلم في يقظة تامة.ويلخص ساسي الحاج هذه القضية بقوله:" إن الصرع يعطل الإدراك الانساني وينزل بالانسان الى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس. أما الوحي فهو سمو روحي اختص الله به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغها للناس .وقد يصل العلم إلى إدراك بعض هذه الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون ، وقد يظل بعضها لايتناوله العلم ، ومع ذلك فتبقى حقائق يقينية يهتدي بها المؤمنون الصادقون."(الظاهرة الاستشراقية1/2 ص 360 عن محمد حسين هيكل ،حياة محمد ط5ص41) ترتيب القرآن وجمعه وكتابته: تناول المستشرقون هذه الموضوعات مشككين بجهود المسلمين في كتابة القرآن الكريم بمجرد نزول الوحي ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد اختص بعض المسلمين لكتابة الوحي في مكة ثم في المدينة المنورة.وشكك المستشرقون في جهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه والصحابة الكرام الذسي ساعدوه في جمع القرآن بعد أن كثر القتل في القراء في حروب الردة.كما شككوا في عمل عثمان بن عفان رضي الله عنه في كتابة المصاحف. أما ترتيب القرآن الكريم فقد زعم المستشرق الألماني تيودور نولدكه بأنه سيقدم ترتيبا جديدا لسور القرآن الكريم وآياته وفقا للنزول وللموضوعات ، ولكن المعروف ان الترتيب الذي كتبت به المصاحف إنما كان من عند الله كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ان جبريل جاءه في السنة الأخيرة فعارضه بالقرآن مرتين للتأكيد على ترتيب الآيات والسور. نقد النص: ومن الموضوعات التي خاض فيها المستشرقون فيما يخص القرآن الكريم ما أطلقوا عليه نقد النص القرآني. وهذا الأمر ناتج عما أحدثه الغربيون بخصوص كتبهم المقدسة حيث أعملوا فيها نظريات نقد النص.وقد أدى هذا النقد الىالتشكيك في طريقة نقل هذه الكتب وروايتها ، وكذلك في الحقائق التي وردت فيها. وإن كانت كتب النصارى واليهود قد تعرضت للتبديل والتحريف وأثبت نقد النص ذلك فهذا الأمر لايمكن تطبيقه على القرآن الكريم لأنه في المقام الأول قد نقل إلينا بالتواتر القطعي الذي لم يتيسر لكتاب في العالم اهتمام ورعاية كما ناله القرآن الكريم . ومع علمهم بفشل مثل هذه الممارسة مع القرآن الكريم إلا إنهم لم يتورعوا عن هذا العمل، وقد تأثر بعض المسلمين فظهر من يزعم أنه لابد من تطبيق نقد النص على القرآن الكريم ومن هؤلاء محمد أركون في الجامعات الفرنسية، وفضل الرحمن الذي يرأس قسم الدراسات الاسلامية في جامعة أمريكية، ونصر حامد أبوزيد في مصر الذي يعمل حالياً أستاذاً زائراً في جامعة ليدن بهولندا بعد أن صدر ضده حكم التفريق بينه وبين زوجه بسبب ما كتبه من تجديف وافتراء على القرآن أو ما هو معلوم من الشرع بالضرورة. وخابوا وخسروا. |